أقسم أني لأشفق على المرأة وأرثي لها، ولا أغضب عليها وأنقم كلما رأيتها في هذه المعارض وفي هذه العناء. وكم في هذه المحافل من مناظر مضحكة مبكية! فربما ترى العجوز التي تستطيع أن تغنى بكرامتها ووقارها فقبل يدها كما كنا نرى في بيوتنا، تراها مصبغة محلاة بما يذهب بهيئتها وسمتها ووقارها ويؤذن بحسرتها ويدل على ما تعانيه في ظاهرها وباطنها.
الأربعاء 24 ربيع الأول/3 يناير
الحر عزام بلا يمين
عزمت وأنا في الحجاز على ترك التدخين شهرا، فلما عرض علي أحد الأصدقاء سجارة قلت: أتركه شهرا. قال: هل أقسمت؟ فقلت فورا:
الحر عزام بلا يمين
وعزمة الأحرار كاليمين
وقلت قبلا في منظومة لي اسمها «اللمعات»:
إن عزم الحر فيه قسم
مضمر يعلمه من يعلم
والحق أن اليمين يحتاج إليها ذو العزم الضعيف ليشد من عزمه، وقل أن تشد اليمين عزما خائرا، وللمتنبي قصيدة مطلعها :
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم
ماذا يزيدك في إقدامك القسم؟
وفي اليمين على ما أنت واعده
ما دل أنك في الميعاد متهم
وكان أحد قواد الروم أقسم عند الملك لينتصرن على سيف الدولة.
إن من الناس من يعزم فيمضي فلا يثنيه شيء وإن لم يقسم، ومنهم من يقسم ويؤكد القسم ثم يخور عزمه وتنثني همته لأولى العقبات، ولعل القسم شعور خفي بضعف العزيمة، بل لعله أحيانا خداع من لا يثق بنيته أو إحجام من لا يريد أن يفعل، وقد قيل قبلا:
وأكذب ما يكون أبو المثنى
إذا آلى يمينا بالطلاق
وقال المتنبي:
ويكون أكذب ما يكون ويقسم
فإن قيل: إن الأيمان تعلة العزائم الضعيفة، وضماد الهمم الجريحة، وإن المعتد بنفسه المعتز بعزيمته لا يقسم، لم يكن هذا في جملته بعيدا من الحق. ومن أعجب الأمور عندي أن يقسم الموظف حين يتولى عملا أن يكون فيه أمينا مؤديا واجبه، فإن تولي العمل هو تعهد بالقيام به على خير الوجوه، فإن لم يكن الموظف ممن يفون بالعهود لم يخلق القسم فيهم وفاء. ولولا ضعف النفوس وفقد الثقة ما احتاج القاضي إلى تحليف الخصوم والشهود، ولو فقهوا العهد المأخوذ عليهم في دينهم وشريعتهم وقوانين بلادهم، ما أحوجوا القضاة إلى التحليف ولكن ...
الخميس 25 ربيع الأول/4 يناير
لا يموت أبدا من حي قلبه بالعشق
هركز نميرد آنكه دلش زنده شد بعشق
ثبت است بر جريده عالم دوام ما
لا يموت أبدا من حي قلبه بالعشق
إن بقاءنا مثبت في صفحات العالم
كذلك يقول الشاعر الفارسي الصوفي حافظ الشيرازي، فما معناه؟ إن العشق عند الصوفية هو الاتصال بالله أو الفناء فيه، ويبدو لي أن قول حافظ ليس ضربا من خيال الشعر، فالإنسان فان سريع الفناء حين تضيق حياته في جزء من المادة ووقت من الزمن؛ كلما اتصلت نفسه بالمادة وتعلقت بالمحسات سجن فيها وتقلب معها وفني بفنائها، فهو يموت بموت الجسم، ويموت بعض الموت بزوال ما تعلق به قلبه من مال أو منصب أو دار أو حيوان أو إنسان، فإن اتسعت حياة الإنسان وجاوز كونه الحدود الحسية اتصل بالمعاني العامة وبالعالم الروحي؛ عالم الحقائق غير المحدودة، واتصلت به من هذه الحقائق معاني البقاء والسعة والسمو على الحدود والقيود، وكلما رقي في هذا العالم زاد حظه من الاتصال بالحقائق الباقية والمعاني الخالدة التي لا تفنى بفناء الأوقات ولا تضيق بضيق الأمكنة؛ حتى يصير الإنسان في إدراكه وآماله وقوله وعمله خارجا على حدود الزمان والمكان متصلا بالحقائق، فيكون فيما يدرك وما يعمل كأنه قانون من قوانين الله تعالى التي يسير بها الكون وهي قوانين لا تموت.
هكذا يضيق الإنسان ويتسع، ويحبس وينطلق، ويقيد ويرسل، ويعلو ويسفل، وينقل في المادة ويتحرك بحركاتها ويعيش بها ويموت، أو ينطلق ويخلد مع الحقائق ويحيا مع المعاني العامة والقوانين الشاملة، فلا يعرف موتا ولا فناء.
لعل حافظا الشيرازي أراد هذا المعنى في بيته، فهذا يلائم ما تدل عليه عبارات كثير من شعراء التصوف، وتوحي به إشاراتهم فيما يبلغه علمي وفهمي. فاللهم أحي قلوبنا بالعشق ونجنا من الحدود والقيود وارزقنا الخلود.