الأحد 21 ربيع الأول/31 ديسمبر
مرور عام
تم أمس عام وولد اليوم عام، من أعوام كثيرة ماضية وآتية لا يعلمها إلا الله.
والإنسان يفكر كلما انتهى عام، ويصحو من غفلته فيتذكر ويعتبر، ثم يغفل فتمضي به الأيام وتمر الخطوب، وتشغله الأشغال والضوضاء، حتى ينتهي عام آخر فيصحو ويذكر ويعتبر ثم تمضي الأيام وتمر الخطوب.
وما أسرع دورة الأيام وما أقصرها! وما أضيع العمر فيها إن عد الإنسان السنين كما تعد الدراهم، وأحصى ما مضى وفكر فيما يأتي كما يفكر فيما أنفق وما عسى أن ينفق!
فإن اتخذ الإنسان زمانه ظرفا للعمل، ومجالا للجد ولم يهمه منه إلا اتساعه لعمله، وامتلاؤه باجتهاده، ولم يشغل نفسه بذاهبه وآتيه، يجد زمانه أوسع وعمره أكثر بركة، وعسى أن ينجو من دور الزمان، ودوار الأيام.
نحن لا ندري ما وراء الزمان وكم قال فيه الفلاسفة واختلفوا، ولكن لم يختلف الناس في العمل والجد جهد الطاقة ووسع المقدرة، فإنما الزمان بالأعمال فإن يكن ظرفا فهو رقيق شفاف لا يرى، ولكن يرى ما فيه. والسعيد من جعل عمله فيه صافيا رائقا جميل الرواء، ليس طعمه دون مظهره، ولا مخبره أقل من منظره، ولا فائدته أدنى من رونقه، ولا لذته أضعف من لألائه.
السعيد من ملأ الزمان أملا وعملا وطهرا وصفوا، وخيرا ونفعا.
الإثنين 22 ربيع الأول/1 يناير 1951
أهل الظاهر وأهل الباطن
حججت سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة (سنة 1948م) وكنت وزير مصر في المملكة العربية السعودية، وقد عنيت بسلامة حجيج مصر وراحتهم، فلقيتهم وخالطتهم، وتعرفت شئونهم. وكان في حجيج مصر مترفون لم يخبروا الشدائد، ولا خبرتهم المشاق، وليس للدين في قرارة نفوسهم سلطان، فهم سياح لا حجاج كما قال أمير الحج تلك السنة. قال قائل منهم شاكيا مشقة المناسك سائلا عما وراء هذه المظاهر، قال: ما حسبت أن الحج جلوس في عرفات معظم النهار ووقفة قصيرة آخر! وسمعت من هذا الضرب أسئلة، قلت لأحدهم، وهو يحسب أنه من أهل الحقائق المتضلعين إلى الأسرار: أنتم من أهل الظاهر ترون الأمور في ظاهرها وأشكالها وتقدرونها على قدر الأشكال من الفخامة والمتانة والصنعة والرونق، وما ألفتم من رواء الحضارة، وعرفتم من ألوانها.
وأهل الباطن تنفذ بصائرهم حيث تنتهي الأبصار، ويرون وراء كل مرأى وكل حركة هنا معنى جليلا وقصدا عظيما، كما يقرأ الأديب الأسطر البليغة فيشغل بمعناها عن خطها وسطورها وورقها، فلا تحسبوا أنفسكم أهل الحقائق الذين لا يرضون بهذه المرائي الصغيرة والحركات القليلة، فلو كنتم منهم لنفذتم إلى معنى الحج وحكمته، ورأيتم وراء الوجوه والأشكال أضعاف ما عليها من الجمال والجلال.
الثلاثاء 23 ربيع الأول/2 يناير
من الفروق بين المرأة والرجل
مما يفرق بين المرأة والرجل أن المرأة تقوم بجمال صورتها، بصباحة وجهها ورشاقة قدها، ونصوع لونها، وتقدر بما يزين جمالها من لباس وحلية. والرجل يقوم بغير هؤلاء أكثر الأحيان.
فالمرأة في اهتمام دائم بجسمها وثوبها، كاهتمام الرجل بعمله وأدبه وصناعته وماله وجاهه ... وهلم جرا. والمرأة - ولا ريب - تهتم كذلك بهذه الأمور التي تهم الرجل، ولكن اهتمامها بصورتها له المكان الأول. والمرأة في هم من منافسة غيرها من النساء في الجمال والزينة، ومن التحبب إلى الرجال بهما. وهذا الهم يزداد كلما غشيت المرأة المجامع العامة والحفلات التي يختلط فيها الرجال والنساء، حتى ينقلب همها غما إن قصرت في صورتها أو حليتها، والأزواج مرهقون بمطالب أزواجهم من نفقات اللباس والزينة. وزاد المرأة غما وعناء وإرهاقا أن المحافل الأوروبية ومحافلنا التي تحاكيها أذنت بالتحدث عن جمال فلانة وحلي فلانة وثياب فلانة، وعنيت الصحف بنشر أحاديث وصور عن النساء الجميلات الحاليات، بل جاوزت هذا إلى تقويم جسد المرأة عاريا وتلقيبها ألقاب الملوك. فقد صارت المرأة في معرض دائم يعرض فيه جسمها وثيابها وحلاها، وفي منافسة مستمرة بصبغ وجهها وبذل الأموال في تلوينه، وفي تحصيل أنفس الثياب وأثمن الحلي. وصارت المرأة تعاني غما وعناء، يعلم ظاهرهما من يغشى المحافل ويتأمل فيها، وتعلم هي من حقيقتهما أكثر.