تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت يوما: دابة لنعمة، وجدت مأوى ومأمنا ورزقا على هذه الشجرة، وما أحسبها في حاجة إلى الماء فإن احتاجت فهو قريب من أصل الشجرة في الحديقة، فقد وجدت الطعام والأمن والعافية. قال رفيق يسمع كلامي: الله يكفيها شر الناس. قلت: أجل، هذا هو الشر الأكبر، فما أرى على هذه الدابة بأسا إلا من الناس، فهي على الشجرة بمنجى من الكلاب والقطط، وأراها تقارب الغربان فلا تؤذيها ولا هي تخاف منها. ولكن الإنسان لا يبعد شره عن الحيوان، فلعل طفلا يرمي إحداها بحجر، ولعل رجلا يستمتع برميها بالبندق ليعجب بمهارته في الرمي، ولعل أحد المولعين بصيد الحيوان وحبسه، أو قتله وحفظه محنطا، ينزل الهلاك والفزع بهذا السرب الآمن، ولعل بعض التجار والصناع لهم أرب في شعره أو جلده، ولعل آفات أخرى في يد الإنسان كامنة.

أجل، إنه حيوان ناعم آمن إن كفاه الله شر الإنسان.

الجمعة 19 ربيع الأول/29 ديسمبر

برهان قاطع

معجم في الفارسية معروف له صيت بين عارفيها ذائع، ترجم إلى التركية، وطبع في إسطنبول منذ دهر. ألفيت نسخة منه فارسية مكتوبة في إسطنبول فأخذتها، فكان رجوعي إلى النسخة التركية المطبوعة حينا، وإلى الفارسية المخطوطة حينا. وكنت لا أرجع إليه إلا مضطرا أجد فيه مشقة، فأوثر معجما من الفارسية إلى الإنكليزية. ثم طبع الكتاب في إيران وألحق به ألفاظ وضعها مجمع إيران (فريسنكستان إيران)، وتفضلت وزارة معارف إيران فأهدت إلي منه نسخة، فوجدت ورقا ثقيلا وجلدا نقيا، ولكن بقيت في نفسي نفرة من الكتاب لسابق عهدي به. وأنشطت للرجوع إليه أول الأمر، ثم رجعت إليه فرغبت فيه وحرصت على الرجوع إليه، بل رغبت في تصفحه كلما فرغت له في غير حاجة. سألت نفسي: ماذا حدث في الكتاب، هل غير ترتيبه؟ فنظرت فإذا الترتيب كما كان! ما الذي يسر الكتاب للبحث وحبب إلي النظر فيه ...؟ لم يحدث في الكتاب شيء إلا أنه طبع على الطريقة الحديثة؛ كل كلمة تبدأ سطرا، فأمكن عبر المادة الطويلة بنظرة عاجلة وبلوغ المقصد منها بطلب يسير.

قلت: ليت «القاموس المحيط» و«لسان العرب» ينشران على هذا النسق! وقلت ما قلت قبلا: إن نصف المعارف في هذا العصر ترتيب وتنظيم، كان الباحث في «الأغاني» عن أخبار رجل لا يستوعبها إلا أن يقرأ الكتاب كله، والباحث اليوم ينظر في كشاف يحيط بالصفحات التي ذكر فيها الرجل فيقلبها سريعا. فانظر الفرق بين دقائق يقلب فيها صفحات من «الأغاني» وأشهر يقلب فيها الكتاب كله، وقس على هذا المعارف في العصور القديمة وفي هذا العصر.

السبت 20 ربيع الأول/30 ديسمبر

العلماء في زماننا

كان الملوك والأمراء والكبراء في العصور الخالية، لهم الأمر والنهي وبأيديهم النفع والضر، بل الحياة والموت، وكانوا يعظمون العلماء ويجلونهم. وكان العلماء يغشون مجالسهم - ومنهم من يتورع عن غشيان تلك المجالس - فيتكلمون في علم وأدب أو يعظون. وكان الملوك وأشباههم يبالغون في إجلال العلماء وتكريمهم حتى أثر عن هارون الرشيد أنه صب الماء على يد عالم ضرير وهو يغسل يده بعد الطعام.

ونحن حين نقرأ التاريخ اليوم نشتد في نقد عالم تملق خليفة، ونشتط في مؤاخذة أديب آثر رضاء ملك، على شدة الحاجة إلى ما في أيدي الرؤساء وشدة الخوف منهم في تلك العصور.

ونحن نعيش اليوم في عالم لا يستطيع ملك فيه أن يأمر بقتل، ولا يهب فيه أصحاب السلطان مالا لعالم أو أديب، ولا يملكون التصرف في خزائن الدول. فما بال ناس من أولي العلم والأدب يتبرعون بالتملق، ويتطوعون بالغلو في المدح والتعظيم؟! إنا لنقرأ ونسمع في الحين بعد الحين مديحة من النظم والنثر ألقيت بين يدي وزير أو رئيس وزراء أو أمير أو ملك، لو أنا قرأنا مثلها لعالم في العصور الغابرة لاشمئزت نفوسنا وحقرنا القائل واستغفرنا الله، وقلنا: عصور الاستبداد والاستعباد والذلة والنفاق. ولو ساغ التماس العذر في هذه المقامات فالسابقون أوضح عذرا وأقرب إلى العفو. ألا إن امتحان الأقوال الطليقة والدعاوى المرسلة إنما يكون حين تقارنها الحقائق وتصحبها الحادثات ويبتليها الاختبار. إننا نسمع من كبار العلماء كل حين مدحا بغير حساب، ولا نسمع حينا موعظة بحساب، فليت شعري! أنحن مثل أسلافنا أم هم كانوا أصدق قولا وأصلح عملا على اختلاف الزمان وتفاوت الأحوال؟

الشوارد · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٠١