تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن اللطائف في هذا أنني حينما قدمت رسالتي عن الفردوسي والشاهنامه إلى جامعة فؤاد الأول، وجلت للمناقشة فيها، سألني معالي الدكتور طه حسين باشا - وكان عميد كلية الآداب ورئيس لجنة الامتحان - عن هذا البيت مما ترجمته في بكاء أم سهراب على ولدها:

وتذري على الخد دمع الدم

وتكبو وتنهض في المأتم

قال: هل كلمة المأتم في الأصل؟ قلت: لا. قال: دعتك إليها الضرورة، قلت ضاحكا: لعل الفردوسي حذفها للضرورة! وهذا كلام لا يبعد عند التأمل.

الأوزان والقوافي

أخذ الفرس الأوزان العربية لشعرهم وتصرفوا بها فزادوا في التفعيلات. فالرمل عندهم يكون ثمانيا وهو في العربية لا يزيد على ست تفعيلات، والهزج يكون عندهم سداسيا وثمانيا، وهو في العربية رباعي حتما.

والأوزان القليلة في العربية مثل المجتث والمقتضب لا تزيد في العربية على أربع تفعيلات وتبلغ ثمانيا في الفارسية، فالشطر في الفارسية يساوي بيتا في العربية. ومن الأمثلة الواضحة في هذه الشطور العربية التي تأتي في الشعر الفارسي كقول حافظ الشيرازي:

ألا يا أيها الساقي أدر كأسا وناولها

هذا شطر في الفارسية وهو بيت كامل في العربية.

والأبيات في الفارسية كالأبيات في العربية مبنية على استقلال كل بيت عما بعده. فلا يجمل ترجمة بعض بيت وآخر في بيت واحد. وقد تصرفت في هذه المشكلة بأن ترجمت أحيانا البيت الثماني في الفارسية بسداسي في العربية. على ما في هذا من عسر، وأحيانا ترجمت الشطر ببيت مجزوء، فقابلت الشطر الذي فيه أربع تفعيلات في الرمل مثلا ببيت مجزوء فيه أربع تفعيلات كذلك.

وللتمثيل نظمت قصيدتين وقطعة على الأوزان الفارسية يجدها القارئ في الصفحات، ثم القافية المردوفة كثيرة في الشعر الفارسي وشعر إقبال، وفي الترجمة كررت كلمات الردف في أول البيت لا في آخره بلفظها أو معناها وللتمثيل ردفت القافية فيما ترجمت على الأوزان الفارسية.

فلسفة إقبال

لا يتسع المقام والوقت للكلام في فلسفة إقبال، ولكن لا بد من كلمات قليلة تعين القارئ على إدراك مقاصد الشاعر: (1)

لإقبال مذهب سماه الذاتية (خودي)، وشرحه في كتابه «أسرار خودي»، وخلاصته أن الذاتية أساس الحياة؛ فالله تعالى ذات، والإنسان ذات، وحياة الإنسان تتجلى في هذه الذاتية، فعلى الإنسان أن ينظر إلى فطرته ويستخرج كل ما فيها، ولا يؤمن إقبال بوحدة الوجود التي تنافي الذاتية. (2)

وأن الاستقلال في الفكر والابتكار يبين عن الذاتية والتقليد يضعفها أو يميتها. (3)

وأن الشدائد والمحن في هذه الحياة تقوي الذاتية. والآلام واللذات يكمل بعضها بعضا. انظر أبياته عن شوبنهور ونيتشا ص117، «بل الجنة» ينقص لذتها فقد الألم والهم فيها. انظر ص76 وأن الإنسان حر مختار يتوهم أنه مجبر:

فقم إن كنت في ريب وأقدم

تجد للرجل في الدنيا مجالا

وهو في هذا كشيخه جلال الدين الرومي. (4)

العقل والقلب والعشق: يجد القارئ هذه الكلمات مكررة في شعر إقبال، وهو كجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، وكثير من الصوفية؛ لا يعول على العقل كثيرا، وإنما يعول على القلب أو العشق، وقد ضمن قصيدة له بيت جلال الدين:

في طريق العشق بالعقل يسار

بسراج تبتغي شمس النهار

وانظر قصيدته في أول نقش الإفرنج: والعقل عند الصوفية عاجز جبان لا يدرك الحقائق الكبرى، ولكن يتصرف في الجزئيات والقلب موطن العشق. وقد بينت رأي العطار في العقل والعشق، وهو رأي شائع بين الصوفية في كتابي «التصوف وفريد الدين العطار» فليرجع إليه من يشاء. على أن العطار وغيره يكبرون العقل حين يصحب العشق أو يفنى فيه. يقول إقبال في رسالة بركسون ص123: وما صورته وهم فأعدد لعقل شب في أدب القلوب. ويقول في صفحة 110.

حبذا عقل فسيح

قد أحاط العالمين

نور أملاك ونار ال

أنس فيه دون مين

پيام مشرق · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

پيام مشرقص ٤