ومما ينبغي ذكره هنا أن أحد حساد ابن زيدون أرسل إلى المعتمد شعرا يعرض فيه بابن زيدون، ويغري المعتمد بقتله وقتل كل من يرتاب فيه ويتبع سنة أبيه في قتل أعدائه، وأول الشعر:
يأيها الملك العلي الأعظم
اقطع وريدي كل باغ ينسم
واحسم بسيفك داء كل منافق
يبدي الجميل وضد ذلك يكتم
لا تحقرن من الكلام قليله
إن الكلام له سيوف تكلم
وهي سبعة وعشرون بيتا.
فكتب المعتمد على ظهر الورقة التي فيها الشعر:
كذبت مناكم صرحوا أو جمجموا
الدين أمتن والسجية أكرم
خنتم ورمتم أن أخون وإنما
حاولتم أن يستخف يلملم
وأردتم تضييق صدر لم يضق
والسمر في ثغر الصدور تحطم
وزحفتم بمحالكم لمجرب
ما زال يثبت للمحال فيهزم
أنى رجوتم غدر من جربتم
منه الوفاء وظلم من لا يظلم
أنا ذاكم لا البغي يثمر غرسه
عندي ولا مبنى الصنيعة يثلم
كفوا وإلا فارقبوا لي بطشة
يلقى السفيه بمثلها فيحلم
وبلغت القصة ابن زيدون فأنشأ خمسين بيتا يمدح المعتمد ويشكره على تخييب مسعاة الساعين، منها:
أنى أؤدي فرض أنعمك التي
وبلت كما وبل السحاب المشجم
أمطيتني متن السماك برتبة
علياء منكب عزها لا يزحم
وتركت حسادي عليك وكلهم
شاكي حشا يذوي وأنف يرغم
نصح العدا في زعمهم فوقمتهم
والغش في بعض النصائح مدغم
وثناهم ثبت قناة أناته
خلقاء يصلب عودها؛ إذ يعجم
وزهاهم نظم الهراء فكفهم
نظم عقود السحر منه تنظم (1-5) ابن عمار
اتصل الشاعر ابن عمار بالمعتضد بن عباد وبالمعتمد في أيام أبيه المعتضد، وله فيهما مدائح، وكان المعتمد قاد جيشا إلى شلب ففتحها سنة 444ه ولقي هناك أبا بكر بن عمار، وتمكنت بينهما المودة ومدح الشاعر أميره وصديقه بقصائد بليغة سارت بين الأدباء وذاعت.
وصحب ابن عمار المعتمد إلى إشبيلية فأقام معه إلى أن أنكر المعتضد شغل ابنه بهذا الشاعر فنفاه إلى سرقسطة.
ولما تولى المعتمد بعد وفاة أبيه دعا صديقه الشاعر وخيره في ولاية يولاها فاختار شلب.
ثم لم يصبر المعتمد عنه فدعاه إلى حضرته واستوزره، وشارك ابن عمار في حروب المعتمد التي دفع بها الإسبان عن إشبيلية كما شارك من قبل أبو الطيب في حروب سيف الدولة.
وفتح ابن عمار مرسية للمعتمد فملكه العجب، وتزيا بزي الأمراء حتى ارتاب فيه المعتمد.
ونظم ابن عمار قصيدة يفخر فيها ويحرض أهل بلنسية على الثورة على أميرها، وكان صديق المعتمد وأول القصيدة:
بشر بلنسية وكانت جنة
أن قد تدلت في سواء النار
ويقول فيها:
كيف التفلت بالخديعة من يدي
رجل الحقيقة من بني عمار
فغضب المعتمد على ابن عمار وعارض قصيدته بشعر فيه سخرية ببني عمار.
فثار الشاعر وأنشأ شعرا هجا به المعتمد وأم أولاده الرميكية هجاء مقذعا.
ووقعت نسخة من الشعر بخط ابن عمار في يد المعتمد، وانتهت الحادثات بأسر ابن عمار في بعض مغامراته فأسلمه آسره إلى المعتمد فحبسه وقتله.
ومما كتب المعتمد للوزير ابن عمار أيام صداقتهما:
لما نأيت نأى الكرى عن ناظري
ورددته لما رجعت عليه
4
طلب البشير بشارة يجزى بها
فوهبت قلبي واعتذرت إليه
وفي نفح الطيب:
5
ركب المعتمد في بعض الأيام قاصدا الجامع والوزير أبو بكر بن عمار يسايره، فسمع أذان المؤذن؛ فقال المعتمد:
هذا المؤذن قد بدا بأذانه
فقال ابن عمار:
يرجو بذاك العفو من رحمانه
فقال: المعتمد:
طوبى له من شاهد بحقيقة
فقال ابن عمار:
إن كان عقد ضميره كلسانه
وأدخلت على المعتمد يوما باكورة نرجس فكتب إلى ابن عمار يستدعيه:
قد زارنا النرجس الذكي
وآن من يومنا العشي
وعندنا مجلس أنيق
وقد ظمئنا وفيه ري
ولي خليل غدا سميي
يا ليته ساعد السمي
6
فأجابه ابن عمار:
لبيك لبيك من مناد
له الندى الرحب والندي
هأنا بالباب عبد قن
قبلته وجهك السني
شرفه والداه باسم
شرفته أنت والنبي
وكان المعتمد غضب على ابن عمار في بعض الحادثات، وعتب ابن عمار على المعتمد فكتب إليه يعتب ويطلب الصفح في قصيدة أولها: