وللشاعر في مدح المعتمد الأمير الجواد الشاعر ووصف حروبه؛ قصائد غراء تضمنها ديوانه.
ولم يقصر ابن حمديس في الوفاء لأميره حين حلت به الفاجعة، وذهب إليه في أغمات كما ذهب ابن اللبانة.
وسيأتي في الحديث على محنة المعتمد طرف من أخبار الشاعر معه في هذه المحنة، وبعض ما أنشأ من الشعر؛ توجعا للأمير، وتفجعا. (1-3) أبو بحر بن عبد الصمد
ومن شعراء المعتمد أبو بحر بن عبد الصمد، ومن مديحه قوله:
خضعت لعزتك الملوك الصيد
وعنت لك الأبطال وهي أسود
فاطعن ولو أن الثريا ثغرة
واضرب ولو أن السماك وريد
وافتح ولو أن السماء معاقل
واهزم ولو أن النجوم جنود
وقد رثى هذا الشاعر ممدوحه ووقف على قبره وأنشد قصيدة باكية ومرغ وجهه في التراب، فأبكى الحاضرين، وسيأتي ذكر هذا. (1-4) ابن زيدون
اتصل ابن زيدون بالمعتضد العبادي والد المعتمد سنة 441ه فاحتفى به واستوزره، ثم سماه ذا الوزارتين؛ فلبث في كنفه زهاء عشرين عاما، ومدحه؛ وفاء ما لقي في جنابه من عزة ونعماء.
ولما مات المعتضد رثاه ابن زيدون، واتصل بالمعتمد؛ فكان قرة عينه وزينة دولته، ولما فتح المعتمد قرطبة بلد ابن زيدون رجع إلى بلده في كنف المعتمد وعلت مكانته، ثم أرسله المعتمد إلى إشبيلية لفتنة وقعت بها ومعه أحد أبناء المعتمد فمات ابن زيدون هناك سنة 463ه.
وله قصائد في مدح المعتضد يسير بها الذكر، ويزهو بها الشعر، منها قصيدة هي في ترتيب الديوان أول ما مدح به المعتضد ... يقول فيها:
من مبلغ عني الأحبة؛ إذ أبت
ذكراهم أن يطمئن مهاد
لا يأس. رب دنو دار جامع
للشمل قد أدى إليه بعاد
إن أغترب فمواقع الكرم الذي
في الغرب شمت بروقه أرتاد
أو أنأ عن صيد الملوك بجانبي
فهم العبيد مليكهم عباد
المجد عذر في الفراق لمن نأى
ليرى المصانع منه كيف تشاد
يا هل أتى من ظن بي فظنونه
شتى ترجع بينها الأضداد
إني رأيت المنذرين كليهما
في كون ملك لم يحله فساد
وبصرت بالبردين إرث محرق
لم يخلقا؛ إذ تخلق الأبراد
وعرفت من ذي الطوق عمرو ثأره
لجذيمة الوضاح حين يكاد
وأتى بي النعمان يوم نعيمه
نجم تلقى سعده الميلاد
قد ألفت أشتاتهم في واحد
إلا يكنهم أمة فيكاد
وقد ذكر المنذرين ومحرقا وعمرا وجذيمة والنعمان وهم من ملوك المناذرة؛ إذ كان بنو عباد ينتسبون إليهم.
ويقول في قصيدة أخرى:
أليس بنو عباد القبلة التي
عليها لآمال البرية معكف
ملوك يرى أحباؤهم فخر دهرهم
ويخلف موتاهم ثناء مخلف
وأما المعتمد فلابن زيدون فيه مدائح كثيرة في إمارة أبيه وإمارته، تعرب عن إحماد صحبته، وشكر نعمته، وقد أولع المعتمد بالإلغاز عن أبيات من الشعر يطلب إلى ابن زيدون بيانها، وفي ديوان ابن زيدون كثير منها.
وحسب الشاعر أن يكتب إليه المعتمد قصيدة يعاتبه بها على تأخر جوابه عن شعر بعث به، يقول فيها:
على ذاك أفديك من ماجد
تشبث بالظرف فيه الهدى
فحينا أزور به روضة
وحينا أحيي به مسجدا
لك العلم مهما أرد بحره
لأروى به أحمد الموردا
وفيك تجمعت المأثرات
طرا فصرت بها مفردا
شمائل تنثر شمل الهموم
نثرك بالرأي شمل العدا
فمتعني الله بالحظ منك
ولا زلت لي مؤنسا سرمدا
ودمت ودمنا على حالنا
كما يصحب الفرقد الفرقدا
فلولاك كانت ربوع السرور
مني تجاوب فيها الصدى
فأجاب ابن زيدون بقصيدة منها:
وطاعة أمرك فرض أراه
من كل مفترض أوكدا
هي الشرع أصبح دين الضمير
فلو قد عصاك لقد ألحدا
وحاشاي من أن أضل الصراط
فيعدو بي الكفر عما بدا
وأخلف بالوعد من لا أرى
لدهري إلا به موعدا
أتاني عتاب متى أوكده
في نشوات الكرى أسهدا
وفي أبيات المعتمد وابن زيدون ما يري القارئ أن المعتمد لا يقصر في النظم عن الشاعر الكبير، ويطرد هذا فيما نراه في ديوان ابن زيدون من شعر له وللمعتمد في مراسلاتهما ومساجلاتهما، ما عدا القصائد المطولة التي لا نجد للمعتمد أمثالها.