تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا ليت شعري وهي شمس الضحى

كيف من الأنوار ترتاع

وله مع شعرائه مساجلات تدل على أنه لا يتخلف عنهم في النظم روية وارتجالا، ولا يقع دون كبار الشعراء في لفظه ومعناه، ويقول ابن حمديس في ختام قصيدة مدح بها المعتمد:

إنا لنخجل في الإنشاد بين يدي

رب القوافي التي حلين بالفقر

من ملك الله حسن القول مقوله

فلو رآه ابن حجر عاد كالحجر

ولا أطيل في الكلام على شعر المعتمد، فليرجع القارئ إلى ديوانه؛ ففيه ألوان من الشعر تدل على طبع شاعر، وخيال بعيد، وتصرف في المعاني والألفاظ بارع.

2 (1) الشعراء الذين صحبوا المعتمد

نقلت آنفا قول ابن القطاع في المعتمد:

كانت حضرته ملقى الرحال، وموسم الشعراء، وقبلة الآمال ومألف الفضلاء، حتى إنه لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان يجتمع ببابه.

وكيف لا يقصد الشعراء والأدباء - في عصر زها فيه الشعر والأدب - ملكا أديبا شاعرا يأنس بهم، ويغدق عليهم العطاء، ويصادقهم ويجلهم، ويتخذ منهم وزراء وندماء.

وهذا ذكر من عرفوا بصحبة المعتمد من شعراء الأندلس؛ ومن هؤلاء ثلاثة ذهبوا مثلا سائرا في الوفاء، وسيأتي ذكرهم في محنة المعتمد؛ وهم: ابن اللبانة، وابن حمديس، وأبو بحر بن عبد الصمد. (1-1) أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة

أذكره هنا في جملة شعراء المعتمد. وأعظم مآثر هذا الشاعر وأكبر مفاخره وفاؤه للأمير في أسره، ومواساته في محنته، وسيأتي ذكره في أيام هذه المحنة، فحسبي هنا أن أقول: إنه اتصل ببني عباد منذ أيام المعتضد وأحسن مدحهم وأحسنوا جزاءه.

ومن مدائحه موشحة أولها:

3

كم ذا يؤرقني ذو حدق

مرضى صحاح

لا بليته بالأرق

قد باح دمعي بما أكتمه

وحن قلبي لمن يظلمه

رشأ تمرن في «لا» فمه

كم بالمنى أبدا ألثمه

يفتر عن لؤلؤ في نسق

من الأقاح

بنسيمه العبق

يقول فيها:

أبدى لنا حمرة في يقق

خد الصباح

فيه حمرة الشفق

من لي بمدح بني عباد

ومن محمدهم إحمادي

تلك الهبات بلا ميعاد

عذرت من أجلها حسادي

حكتني الورق بين الورق

راشوا جناحي

ثم طوقوا عنقي

لله ملك عليه اعتمدا

من يعرب وهو أسناهم يدا

وهم إذا عن وفد وفدا

سالوا بحارا وصالوا أسدا

إن حاربوا أو دعوا في فسق

راحوا براح

للندى والعلق

وله موشحة أخرى يقول فيها مادحا الرشيد بن المعتمد:

سطا وجاد

رشيد بني عباد فأنسى الناس

رشيد بن العباس

وقد ألف هذا الشاعر كتابا سماه «الاعتماد في أخبار بني عباد»، كما ألف كتابا في أخبارهم بعد نكبتهم سماه «نظم السلوك في مواعظ الملوك». (1-2) ابن حمديس

ومن الشعراء الذي أظلتهم دولة بني عباد، فنعموا في ظلالها، وغردوا في أفيائها، ابن حمديس الصقلي.

فارق عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الصقلي بلده سرقوسة من جزيرة صقلية حينما استولى النرمانديون على الجزيرة سنة سبعين وأربعمائة ه، وانتهى به المسير إلى إشبيلية، فقربه المعتمد بن عباد، وأشاد هو بالأمير، وسير في مدحه قصائده، وصحبه في سلمه وحربه، ثم واساه في أسره.

روى صاحب نفح الطيب عن ابن حمديس أنه قال:

أقمت بإشبيلية، لما قدمتها على المعتمد بن عباد، مدة لا يلتفت إلي ولا يعبأ بي حتى فطنت لخيبتي مع فرط تعبي، وهممت بالنكوص على عقبي، فإني لكذلك ليلة من الليالي في منزلي إذا بغلام معه شمعة ومركوب، فقال لي: أجب السلطان. فركبت من فوري ودخلت عليه، فأجلسني على مرتبة فنك، وقال لي: افتح الطاق التي تليك. ففتحتها فإذا بكور زجاج على بعد، والنار تلوح من بابيه، وواقدة تفتحهما تارة وتسدهما أخرى، ثم دام سد أحدهما وفتح الآخر، فحين تأملتهما قال لي: أجز:

انظرهما في الظلام قد نجما

فقلت:

كما رنا في الدجنة الأسد

فقال:

يفتح عينيه ثم يطبقها

فقلت:

فعل امرئ في جفونه رمد

فقال:

فابتزه الدهر نور واحدة

فقلت:

وهل نجا من صروفه أحد

فاستحسن ذلك وأمر لي بجائزة سنية وألزمني خدمته.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأص ٧