وثبت هذا أن ينظر القارئ فيما كان بين المعتمد وكبار الشعراء من تقارض الشعر في أحوال شتى، سيجد القارئ أن المعتمد لم يقصر في مجاراة ابن زيدون وابن عمار وابن حمديس وابن اللبانة بل يجده مبرزا عليهم أحيانا، وسيمر بالقارئ كثير من تقارض الشعر بين المعتمد وشعرائه في نعيمه ودولته وبؤسه ومحنته.
وحسبنا هنا شهادة لسان الدين بن الخطيب، وما نقله عن ابن الصيرفي، قال عن المعتمد:
كنيته أبو القاسم، وهو الجواد الشجاع البليغ، ذو الأخبار الشهيرة الذكر، والأنباء الموروثة على الدهر، قال ابن الصيرفي:
المعتمد على الله محمد بن عباد نسيج وحده في الجود، وأصلب نظرائه مكسر عود، فذ في البلاغة، طرف في الشعر والكتابة، بارع النظم والنثر، كثير الأدب، جزل الألفاظ، كثير المعاني، حسن المآخذ، لدن معاطف الكلام، رقيق الحاشية، كثيف المتن، كثير البديع، رائق الديباجة، لائق الاستعارة، حسن الإشارة، جم التوليد، لم ينشده من الوزراء والشعراء أشعر منه، على كثرة ما اجتلب إليه من أعلامه الثناء، ونثر عليه من در الحمد، ووضع في يديه من حر القريض.
2
كان المعتمد شاعرا مجيدا رقيق الطبع، مرهف الحس، يعرب بالشعر عن عواطفه، ويسجل به خواطره في فرحه وترحه، وجده وهزله.
كان هو شاعرا والرميكية أم أولاده شاعرة، وكان بنوه شعراء، ومنهم من ترجم له بين أدباء الأندلس، وكانت بنته بثينة شاعرة ذكرت في الشواعر الأندلسيات.
وسيأتي ذكر أولاد المعتمد وزوجه وأمثلة من شعرهم في الفصول الآتية.
| شعر المعتمد في دولته
سيمر القارئ بكثير مما نظم المعتمد زفرات وحسرات في أربع السنين التي احتواه فيها الأسر في المغرب.
وأثبت هنا بعض ما نظم أيام عزته وصولته في دولة أبيه المعتضد ودولته، في معاهد أنسه وأندية سمره ومجالس أدبه، وفي خطاب الأدباء وملاطفة الخلطاء.
مما نظم في عهد أبيه المعتضد أبيات أرسلها إليه حين أرسله قائد جيش إلى مالقة فانهزم فغضب أبوه غضبا شديدا وعنفه واتهمه أنه ضيع الحزم باللهو واللعب:
لم أوت من زمني شيئا ألذ به
فلست أعرف ما كأس ولا وتر
ولا تملكني دل ولا خفر
ولا سبا خلدي غنج ولا حور
رضاك راحة نفسي لا فجعت به
فهو العتاد الذي للدهر أدخر
وهو المدام التي أسلو بها فإذا
عدمتها وقدت في قلبي الفكر
أجل لي راحة أخرى كلفت بها
نظم الكلى في القنا والهام تنتثر
وتوجه إليه الوزير أبو الأصبغ بن أرقم رسولا من المعتصم بن صمادح ملك المرية ومعه الوزير أبو عبيد البكري والقاضي أبو بكر بن صاحب الأحباس، فلما قارب إشبيلية أرسل إلى المعتمد أبيات منها:
يا مالكا عظمته العرب والعجم
وواحدا وهو في أثوابه أمم
إنا وردناك والأقطار مظلمة
والبدر يرجى إذا ما التخت الظلم
فكتب المعتمد إليه:
حثوا المطي ولو ليلا بمجهلة
فلن تضلوا ومن بشري لكم علم
لأنتم القوم إن خطوا يجد قلم
وإن يقولوا يصب فصل الخطاب فم
لا عي إن رقموا كتبا ولا حصر
إذ ينتدون ولا جور إذا حكموا
أقدم أبا الأصبغ المودود تلق فتى
هش المودة لا يزري به سأم
هذا فؤادي قد طار السرور به
إن كنت تنقلك الوخادة الرسم
سأكتم الليل ما ألقاه من بعد
وأسأل الصبح عنكم حين يبتسم
وقال المعتمد في معاهد نعيمه وأنسه في إشبيلية:
ولقد شربت الراح يسطع نورها
والليل قد مد الظلام رداء
حتى تبدى البدر في جوزائه
ملكا تناهى بهجة وبهاء
لما أراد تنزها في غربه
جعل المظلة فوقه الجوزاء
وتناهضت زهر النجوم يحفه
لألاؤها فاستكمل اللألاء
وترى الكواكب كالمواكب حوله
رفعت ثرياها عليه لواء
وحكيته في الأرض بين مواكب
وكواعب جمعت سنا وسناء
إن نشرت تلك الدروع حنادسا
ملأت لنا هذي الكئوس ضياء
1
وإذا تغنت هذه في مزهر
لم تأل تلك على التريك غناء
وقال وقد لمع البرق فارتاعت جارية كانت تسقيه:
يروعها البرق وفي كفها
برق من القهوة لماع