7
وقال ابن بسام في «الذخيرة»:
كان للمعتمد بن عباد شعر كما انشق الكمام عن الزهر، لو صار مثله ممن جعل الشعر صناعة، واتخذه بضاعة، لكان رائعا معجبا ونادرا مستغربا ... والعجب من المعتمد أنه مري سحابه في كلتا حالتيه فصاب، ودعا خاطره فأجاب، ولا تراجع له طبع، في الملك ولا بعد الخلع، بل يومه في هذا الشأن دهر، وحسنته في هذا الديوان عشر.
وقال الفتح بن خاقان في قلائد العقيان:
8
ملك قمع العدا، وجمع الباس والندى، وطلع على الدنيا بدر هدى، لم تتعطل يوما كفه ولا بنانه، آونة يراعه وآونة سنانه، وكانت أيامه مواسم، وثغور بره بواسم، ولياليه كلها دررا، وللزمان أحجالا وغررا، لم يغفلها من سمات عوارف، ولم يضحها من ظل إيناس وارف، ولا عطلها من مأثرة بقي أثرها باديا، ولقي معتفيه منها إلى الفضل هاديا، وكانت حضرته مطمحا للهمم، ومسرحا لآمال الأمم، وموقفا لكل كمي، ومقذفا لذي أنف حمي، لم تخل من وفد، ولم يصح جوها من انسجام رفد، فاجتمع تحت لوائه من جماهير الكماة، ومشاهير الحماة، أعداد يغص بهم الفضاء، وأنجاد يزهى بهم النفوذ والمضاء، وطلع في سمائه كل نجم متقد، وكل ذي فهم منتقد، فأصبحت حضرته ميدانا لرهان الأذهان، وغاية لرمي هدف البيان، ومضمارا لإحراز خصل، في كل معنى وفصل، فلم يرتسم في زمامه إلا بطل نجد، ولم يتسق في نظامه إلا ذكاء ومجد، فأصبح عصره أجمل عصر، وغدا مصره أكمل مصر، تسفح فيه ديم الكرم، ويفصح فيه لسانا سيف وقلم، ويفضح الرضي في وصفه أيام ذي سلم.
9
وكان قومه وبنوه لتلك الحلبة زينا، ولتلك الجملة عينا، إن ركبوا خلت الأرض فلكا يحمل نجوما، وإن وهبوا رأيت الغمام سجوما، وإن أقدموا أحجم عنترة العبسي، وإن فخروا أقصر عرابة الأوسي. ثم انحرفت الأيام فألوت بإشراقه، وأذوت يانع إيراقه، فلم يدفع الرمح ولا الحسام، ولم تنفع تلك المنن الجسام، فتملك بعد الملك، وحط من فلكه إلى الفلك.
| المعتمد والأدب
نشأت دول الطوائف الأندلسية في القرن الخامس الهجري، وهو عصر زهر بالعلوم والآداب في الأندلس، على ما كان فيها من اضطراب سياسي أطاح بدولة الخلافة الأموية وزاده سقوط الخلافة شدة وانتشارا.
والقرن الخامس في الأندلس كالقرن الرابع في المشرق الإسلامي؛ اضطربت فيه دولة الخلافة وتقلص ظلها ونشأت منها دول صغيرة تنافست في دعوة العلماء والأدباء، وتبارت في الاحتفاء بمن يفد إليها من الشعراء، وإغداق العطاء لهم؛ رغبة في حسن السمعة، وبعد الصيت.
نشأت دول الطوائف في الأندلس في القرن الخامس كما نشأت في المشرق دول السامانيين والبوبهيين والغزنويين والحمدانيين وغيرها.
وأرى أن سير العلم والأدب في الأندلس يتأخر قرنا عن سيره في المشرق، فكبار الفلاسفة ونوابغ الشعراء والكتاب الأندلسيين يتأخرون في الجملة عن نظرائهم في المشرق قرنا، ولهذا أسباب لا يتسع لها هذا المجال.
تنافست دول الطوائف في الأندلس في المكارم والمفاخر، وفي تشييد الأبنية، وفي الاعتزاز بالعلماء والأدباء والشعراء الذين ينعمون في ظلالها ويتنافسون في تخليد مآثرها وتسيير ذكرها في كتب التاريخ والعلم والأدب. •••
وبنو عباد كانوا أكثر ملوك الطوائف حظا من القوة وسعة السلطان وبعد الصيت، وأوفرهم نصيبا في وفود الأدباء والشعراء والعلماء إليهم؛ بما تسلطوا على إشبيلية وقرطبة وما يتبعهما، وكانت قرطبة حاضرة الخلافة الأموية ومركز العلوم والآداب ثلاثة قرون، في عهد الأمويين، وبلغت فيها الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس أوجها.
وبنو عباد عرب من لخم ورثوا السيادة والعزة وورثوا حب الأدب، ولا سيما نظم الشعر والإعجاب به والمشاركة فيه والإثابة عليه.
يقول الأستاذ بالنثيا في كتابه «تاريخ الفكر الأندلسي»:
1
وكان الحال في إشبيلية شبيها بما كان عليه في المرية؛ إذ طغى الشعر فيها على ما عداه من أضرب الأدب في ظل بني عباد، ولقد كان المعتضد والمعتمد من أعلام الشعراء، ومن ثم لا نستغرب أن يكون بلاطهما مدرسة تخرج فيها أهل الآداب، وقد وصلت الخمريات وشعر النسيب والغزل أعلى درجات الكمال في هذا البلاط المصقول؛ حيث عجز شعراء مجيدون - من طبقة علي بن حصن، وابن حمديس الصقلي وأبي بكر بن زيدون وأبي بكر بن اللبانة وغيرهم كثيرون - عن إدراك ما وصل إليه ابن عمار وزير المعتمد النابه الذكر المنكود الحظ من تحليق في سماء الشعر، وقصروا كذلك في ملاحقة اعتماد نفسها زوج المعتمد وجارية رميك التاجر الإشبيلي قبله، فضلا عن مجاراة الملك الشاعر المعتمد فيما أبدعه من رائع القصيد، والحق أن المعتمد وفق أيام مجده وسعوده إلى درجة من التجويد مكنت له من أن يصل بشعره في أبواب الغزل ووصف مجالس السرور ووصف الحرب والنصر إلى آفاق استدرت إعجاب البدو أنفسهم.