تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتوفي المعتضد سنة 433ه بعد أن وسع ملكه، ومكن سلطانه، وأرهب أعداءه، وخلد في الأدب ذكره بلسانه ولسان شعرائه.

وأما المعتمد فالواصفوه كثيرون، وقد افتن الشعراء في مناقبه ومآثره، وأولع الكتاب بأخباره وآثاره.

يقول ابن اللبانة:

4

ملك مجيد، وأديب على الحقيقة مجيد، وهمام تحلى به للملك لبة وللنظم جيد، أفنى الطغاة بسيفه وآد؛ وأنسى بسيبه ذكر الحارث بن عباد، فأطلع أيامه في الزمان حجولا وغررا، ونظم معاليه في أجيادها جواهر ودررا، وشيد في كل معلوة فناءه، وعمر بكل نادرة مستغربة وبادرة مستظرفة أوقاته وآناءه، فنفقت به للمحامد سوق، وبسقت ثمرات إحسانه أي بسوق، منع وقرى، وراش وبرى، ووصل وفرى.

وكان له من أبنائه عدة أقمار نظمهم نظم السلك، وزين بهم سماء ذلك الملك ، فكانوا معاقل بلاده وحماة طارفه وتلاده، إلى أن استدار الزمان كهيئته، وأخذ البؤس في فيئته، وأثمر الخلاف وظهر، وسل الشتات سيفه وشهر، والمعتمد - رحمه الله تعالى - يطلب نفسه في أثناء ذلك بالثبات بين تلك الثبات، والمقام في ذلك المقام، إلى أن بدل القطب بالواقع، واتسع الخرق على الراقع.

فاستعضد بابن تاشفين؛ فورد عليه كتابه يشعر بالوفاء، فثاب إليه فكر خاطره وفاء، وثبت خلال تلك المدة للنزال، ودعا من رام حربه نزال، إلى أن أصبح والحروب قد نهبته، والأيام تسترجع منه ما وهبته، فثل ذلك العرش، واعتدت الليالي حين أمنت من الأرش، فنقل من صهوات الخيول إلى بطون الأجفان،

5

وهذه الدنيا جميع ما لديها زائل، وكل من عليها فان، فما أغنت تلك المملكة وما دفعت، وليتها ما ضرت؛ إذ لم تكن نفعت، وكل يلقى معجله ومؤجله، ويبلغ الكتاب أجله.

ونقل المقري قول علي بن القطاع في كتابه «لمح الملح» عن المعتمد بن عباد:

أندى ملوك الأندلس راحة، وأرحبهم ساحة، وأعظمهم سمادا، وأرفعهم عمادا، ولذلك كانت حضرته ملقى الرحال، وموسم الشعراء، وقبلة الآمال، ومألف الفضلاء؛ حتى إنه لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان يجتمع ببابه وتشتمل عليه حاشيتا جنابه.

وفي «نفح الطيب»:

وقال الفقيه القاضي أبو بكر بن خميس - رحمه الله تعالى - حين ذكر تاريخ بني عباد: وقد ذكر الناس للمعتمد من أوصافه ما لا يبلغ مع كثرته إلى إنصافه، وأنا الآن أذكر نبذة من أخباره، وأردفها بما وقفت عليه من منظومات أشعاره، فإنه - رحمه الله تعالى - جم الأدب رائعه، عالي النظم فائقه.

6

ويقول المراكشي في كتاب المعجب:

وكان المعتمد هذا يشبه بهارون الواثق بالله من ملوك بني العباس، ذكاء نفس وغزارة أدب، وكان شعره كأنه الحلل المنشرة، واجتمع له من الشعراء وأهل الأدب ما لم يجتمع لملك قبله من ملوك الأندلس، وكان مقتصرا من العلوم على علم الأدب وما يتعلق به وينضم إليه.

وكان فيه مع هذا من الفضائل الذاتية ما لا يحصى ؛ كالشجاعة والسخاء والحياء والنزاهة، إلى ما يناسب هذه الأخلاق الشريفة، وفي الجملة فلا أعلم خصلة تحمد في رجل إلا وقد وهبه الله منها أوفر قسم، وضرب له فيها بأوفى سهم، وإذا عدت حسنات الأندلس من لدن فتحها إلى هذا الوقت؛ فالمعتمد هذا أحدها بل أكبرها.

هذا كلام مؤلف من المغرب عاش في القرن السابع، بعد المعتمد بقرنين لا يمدح رغبة ولا رهبة، ولست أوافقه في كل ما قال، ولكني أنقل قوله وقول غيره؛ إشهادا على ما اعتقده أدباء الأندلس والمغرب وشعراؤها ومؤرخوها في المعتمد بن عباد، وما كان لسيرته من الأثر في نفوس أهل عصره، والعصور التي تلته.

وقال مؤلف نفح الطيب بعد نقل طرف من أخبار المعتمد:

وأخبار المعتمد بن عباد، وما رآه من الملك والعز في كل حاضر وباد، وما قاساه في الأسر، من الضيق والعسر وسوء العيش، أمر عجيب يتعظ به العاقل الأريب. وأما ما مدحته به الشعراء، وأجوبته لهم في حالي يسره وعسره، وملكه وأسره، وطيه ونشره، وتجهمه وبشره، فهو كثير، وفي كتب التاريخ منه نظيم ونثير، وقد قدمنا منه في هذا الكتاب ما يبعث الاعتبار ويثير.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأص ٤