ومعتمدهم كان أجود الأملاك، وأحد نيرات تلك الأفلاك.
إلى أن يقول:
والقاضي أبو القاسم هذا جدهم، وبه سفر مجدهم، وهو الذي اقتنص لهم الملك النافر، واختصهم منه بالحظ الوافر، فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر، وأضحى
2
من ظلالها أعيان أكابر ... وفاز من الملك بأوفر حصة، وغدت سمته به صفة مختصة، فلم يمح رسم القضاء، ولم يتسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء، وما زال يحمي حوزته، ويجلو غرته، حتى حوته الرجام، وخلت منه تلك الآجام.
وانتقل الملك إلى ابنه المعتضد، وحل منه في روض نمق له ونضد ... وتسمى بالمعتضد بالله، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاه، لولا بطش في اقتضاء النفوس كدر ذلك المنهل، وعكر في أثناء ذلك صفو العل والنهل ، وما زال للأرواح قابضا، وللوثوب عليها رابضا، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوكر، وينتصف منهم بالدهاء والمكر، إلى أن أفضى الملك إلى ابنه المعتمد فاكتحل منه طرفه الرمد، وأحمد مجده، وتقلد منه أي بأس ونجدة، ونال به الحق مناه، وجدد سناه، وأقام في الملك ثلاثا وعشرين سنة لم تعدم له فيها حسنة، ولا سيرة مستحسنة، إلى أن غلب على سلطانه، وذهب به من أوطانه، فنقل إلى حيث اعتقل، وأقام كذلك إلى أن مات، ووارته تربة أغمات.
هذه كلمات الفتح، وأثبت هنا كذلك قول ابن اللبانة الشاعر - وهو الشاعر الوفي، مدح المعتمد أميرا، وأشاد به وواساه أسيرا - وسيأتي طرف من شعره في المعتمد.
قال في بني عباد:
بماذا أصفهم وأحليهم، وأي منقبة من الجلالة أوليهم، فهم القوم تجل مناقبهم عن العد والإحصاء، ولا يتعرض لها بالاستيفاء والاستقصاء، ملوك بهم زينب الدنيا وتحلت، وترقت حيث شاءت وحلت، إن ذكرت الحروب فعليهم يوقف منها على الخبر اليقين، أو عدت المآثر فهم في ذلك في درجة السابقين، أصبح الملك بهم مشرق القسام، والأيام ذات بهجة وابتسام، حتى أناخ بهم الحمام، وعطل من محاسنهم الوراء والأمام، فنقل إلى العدم وجودهم، ولم يرع بأسهم وجودهم، وكل ملك آدمي فمفقود، وما نؤخره إلا لأجل معدود.
فأول ناشئة ملكهم، ومحصل الأمر تحت ملكهم، عظيمهم الأكبر، وسابقة شرفهم الأجل الأشهر، وزينهم الذي يعد في الفضائل بالوسطى والخنصر، محمد بن عباد ويكنى أبا القاسم، ابن إسماعيل.
وقال ابن اللبانة يصف المعتضد خاصة، وهو ثاني أمرائهم:
المعتضد أبو عمرو عباد - رحمه الله تعالى - لم تخل أيامه في أعدائه من تقييد قدم، ولا عطل سيفه من قبض روح وسفك دم؛ حتى لقد كانت في باب داره حديقة لا تثمر إلا رءوسا، ولا تنبت إلا رئيسا ومرءوسا.
3
فكان نظره إليها أشهى مقترحاته، وفي التلفت إليها استعمل جل بكره وروحاته، فبكى وأرق، وشتت وفرق، ولقد حكي عنه من أوصاف التجبر ما ينبغي أن تصان عنه الأسماع، ولا يتعرض له بتصريح ولا إلماع.
ويقول المراكشي :
وكان قد اتخذ خشبا في حديقة قصره جللها برءوس الملوك والرؤساء عوضا عن الأشجار التي تكون في القصور، وكان يقول: في مثل هذا البستان فليتنزه. وجملة أمر هذا الرجل أنه كان أوحد عصره شهامة وصرامة وشجاعة قلب، وحدة نفس، كانوا يشبهونه بأبي جعفر المنصور من ملوك بني العباس، وكان قد استوى في فخامته ومهابته القريب والبعيد لا سيما منذ قتل ابنه وأكبر أولاده المرشح لولاية عهده.
وفي كلام المراكشي تفسير قول الفتح: كانت في باب داره حديقة لا تثمر إلا رءوسا!
وقال ابن بسام في «الذخيرة»:
وكان قد أوتي أيضا من جمال الصورة وتمام الخلقة، وفخامة الهيئة وسباطة البنان، وثقوب الذهن، وحضور الخاطر، وصدق الحدس ما فاق على نظرائه.
ونظر مع ذلك في الأدب - قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان - أدنى نظر، بأزكى طبع، حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعمد لها، ولا إمعان النظر في غمارها، ولا إكثار من مطالعتها، ولا منافسة في اقتناء صحائفها، أعطته سجيته على ذلك ما شاء من تحبير الكلام وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة ظاهرة في معان أمدته فيها الطبيعة، وبلغ فيها الإرادة، واكتتبها الأدباء للبراعة، جمع هذه الخلال الظاهرة إلى جود كف بارى السحاب بها.