وللمعتمد في رثاء المأمون هذا وأخيه الراضي الذي ذكرناه قبلا قصيدة باكية من أبلغ شعر الأحزان الذي أنشأه المعتمد في نكبته.
قال الفتح بن خاقان في القلائد:
وفي ذلك يقول المعتمد يرثيهما، وقد رأى قمرية بائحة بشجنها نائحة بفننها على سكنها، وأمامها وكر فيه طائران يرددان نغما ويغردان ترحة وترنما:
بكت أن رأت إلفين ضمهما وكر
مساء وقد أخنى على إلفها الدهر
وناحت فباحت واستراحت بسرها
وما نطقت حرفا يباح به سر
فما لي لا أبكي؟ أم القلب صخرة؟
وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر؟
بكت واحدا لم يشجها غير فقده
وأبكي لألاف عديدهم كثر
بني صغير، أو حبيب موافق
يمزق ذا قفر، ويغرق ذا بحر
ونجمان زين للزمان احتواهما
بقرطبة النكداء أو رندة القبر
غدرت إذن، إن ضن جفني بقطرة
وإن لومت نفسي فصاحبها الصبر
11
فقل للنجوم الزهر تبكيهما معي
لمثلهما فلتحزن الأنجم الزهر
وللأمير المرزأ في رثاء المأمون والراضي أبيات أخرى أشار فيها إلى ابنه أبي عمرو، وهو الظافر الذي يأتي ذكره، وقد تقدم أن الظافر قتل في دولة المعتمد، فشغل عن رثائه بطلب ثأره، وأما المأمون والراضي فقتلهما المرابطون؛ الأول في قرطبة ثم الثاني في رندة، وقد أخذوا قرطبة قبل إشبيلية ورندة بعدها.
وهذه الأبيات:
يقولون صبر، لا سبيل إلى الصبر
سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري
ترى زهرها في مأتم كل ليلة
يخمشن لهفا وسطه صفحة البدر
ينحن على نجمين أثكلن ذا وذا
ويا صبر ما للقلب في الصبر من عذر
مدى الدهر فليبك الغمام مصابه
بصنويه يعذر في البكاء مدى الدهر
بعين سحاب واكف قطر دمعها
على كل قبر حل فيه أخو القطر
وبرق ذكي النار حتى كأنما
يسعر مما في فؤادي من الجمر
هوى الكوكبان الفتح ثم شقيقه
يزيد فهل بعد الكواكب من صبر
12
أفتح لقد فتحت لي باب رحمة
كما بيزيد الله قد زاد في أجري
هوى بكما المقدار عني ولم أمت
وأدعى وفيا؟ قد نكصت إلى الغدر
توليتما والسن بعد صغيرة
ولم تلبث الأيام أن صغرت قدري
فلو عدتما لاخترتما العود في الثرى
إذا أنتما أبصرتماني في الأسر
بعيد على سمعي الحديد نشيده
ثقيلا فتبكي العين بالجس والنقر
معي الأخوات الهالكات عليكما
وأمكما الثكلى المضرمة الصدر
فتبكي بدمع ليس للقطر مثله
ويزجرها التقوى فتصغي إلى الزجر
أبا خالد أورثتني البث خالدا
أبا النصر مذ ودعت ودعني نصري
13
وقلبكما ما أودع القلب حسرة
تجدد طول الدهر ثكل أبي عمرو
14
وللمعتمد في رثائهما قصيدة أخرى في الديوان أولها:
يا غيم عيني أقوى منك تهتانا
أبكي لحزني وما حملت أحزانا
ونار برقك تخبو إثر وقدتها
ونار قلبي تبقى الدهر بركانا
نار وماء صميم القلب أصلهما
متى حوى القلب نيرانا وطوفانا (1-4) الظافر بن المعتمد
في كتاب المغرب ترجمة أبي الوليد محمد بن جهور:
وجاء المأمون بن ذي النون محاصرا لقرطبة من طليطلة، فاستغاثا (ابنا أبي الوليد) بالمعتمد بن عباد، فوجه لهم ابنه الظافر بعسكر، فأقلع المأمون عنهم، فغدرهم الظافر وأخذ قرطبة منهم، وحملهم إلى شلطيش فسجنوا هناك، وأقام الظافر ملكا على قرطبة إلى أن دخل عليه بالليل حريز بن عكاشة فقتله، وصارت قرطبة للمأمون بن ذي النون.
وكان عكاشة هذا من أنصار ابن ذي النون، وكان استيلاء المعتمد على قرطبة المرة الأولى سنة 461ه، ثم استولى عليها مرة أخرى سنة 471ه وولى عليها ابنه الراضي كما تقدم.
وإليك أسجاعا سجع بها الفتح في قلائد العقيان في تولي الظافر قرطبة وقتله:
ولما انتظمت في سلكه (انتظمت قرطبة في سلك المعتمد) واتسمت بملكه أعطى ابنه الظافر زمامها، وولاه نقضها وإبرامها، فأفاض فيها نداه، وزاد على أمده وقداه، وجملها بكثرة حبائه، واشتغل بأعبائها عن فنائه،
15
ولم يزل فيها آمرا وناهيا، غافلا عن المكر ساهيا، حسن ظن بأهلها اعتقده، واغترارا بهم ما رواه ولا انتقده، وهيهات كم من ملك كفنوه بدمائه، ودفنوه بذمائه، وكم من عرش ثلوه، وعزيز أذلوه، إلى أن ثار فيها ابن عكاشة ليلا، وجر إليها حربا وويلا، فبرز الظافر منفردا من كماته، عاريا عن حماته، وسيفه في يمينه، وهاديه في الظلماء نور جبينه، فإنه كان غلاما كما بلله الشباب بأندائه، وألحفه الحسن بردائه، فدافعهم أكثر ليله، وقد منع منه تلاحق رجله وخيله، حتى أمكنهم منه عثرة لم يقل لها: لعا، ولا استقل منها ولا سعى.