تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليك، وناح الرعد باسمك معلما

ومزق ثوب البرق واكتست الضحى

حدادا وقامت أنجم الجو مأتما

وحار ابنك الإصباح وجدا فما اهتدى

وغار أخوك البحر فيضا فما طمى

وما حل بدر التم بعدك دارة

ولا أظهرت شمس الظهيرة مبسما

وكانت قيود المعتمد انفكت عنه فأشار إلى هذا في القصيدة:

قيودك ذابت فانطلقت لقد غدت

قيودك منهم بالمكارم أرحما

عجبت لأن لان الحديد وإن قسوا

لقد كان منهم بالسريرة أعلما

سينجيك من نجى من السجن يوسفا

ويؤويك من آوى المسيح ابن مريما

هذا الشاعر الوفي يشيد بممدوحه في أسره، ويلوم آسريه وهم أصحاب الدولة والسطوة، ويؤمل له النجاة والعود إلى ملكه، وفي هذا مخاطرة بنفسه، وتعرض لعقاب المرابطين وهو في سلطانهم، والشاعر في هذا كله لا يريد جزاء ولا شكورا، ولكنه الرثاء للصديق، والوفاء لصاحب المعروف.

قال المقري في نفح الطيب:

ولأبي بكر الداني المذكور في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقطعات وقصائد هي قرة عين الطالب، ونجعة الرائد، وقد اشتمل عليها جزء لطيف صدر عنه في هيئة تصنيف سماه «السلوك في وعظ الملوك»،

9

ووفد على المعتمد بأغمات عدة وفادات لم يخل في جميعها من إفادات، وقال في إحداها: «هذه وفادة وفاء لا وفادة اجتداء.»

أقول: تقدم أنه أبى أن ينال شيئا من المعتمد بعد نكبته، فقول المقري أو من نقل عنه: «لم يخل في جميعها من إفادات»، لا أدري ما سنده. •••

وتصور هذا المرأى الفظيع: مر ابن اللبانة في أحد الأسواق؛ فإذا ابن من أبناء المعتمد، كان يلقب في سلطان أبيه بفخر الدولة، اضطره نكد الدنيا وقسوة الزمان، إلى أن يخدم في حانوت صائغ؛ ليحصل قوته، رآه ينفخ في الفحم ليشعل النار، فماذا يقول الصديق الشاعر حين يرى ابن المعتمد - وكم رآه في ظلال النعمة والسؤدد - ينفخ النار في حانوت صائغ؟! أي مرأى يهيج الأحزان، ويملي عبر الزمان ... قال:

شكاتنا لك يا فخر العلا عظمت

والرزء يعظم فيمن قدره عظما

طوقت من نائبات الدهر مخنقة

ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما

وعاد طوقك في دكان قارعة

من بعد ما كنت في قصر حكى إرما

صرفت في آلة الصواغ أنملة

لم تدر إلا الندى والسيف والقلما

يد عهدتك للتقبيل تبسطها

فتستقل الثريا أن تكون فما

يا صائغا كانت العليا تصاغ له

حليا وكان عليه الحلي منتظما

للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى

هول رأيتك فيه تنفخ الفحما

وددت إذ نظرت عيني إليك به

لو أن عيني تشكو قبل ذاك العمى

ما حطك الدهر، لما حط، من شرف

ولا تحيف من أخلاقك الكرما

لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا

وقم بها ربوة إن لم تقم علما

واصبر فربتما أحمدت عاقبة

من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما

والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت

ولو وفى لك دمع الغيث لانسجما

أبكى حديثك حتى الدر حين غدا

يحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما

وأختم حديث الشاعر الوفي والأمير التعيس، بأبيات نظمها الشاعر يذكر معاهد العز والجذل من ديار بني عباد:

أستودع الله أرضا عندما وضحت

بشائر الصبح فيها بدلت حلكا

كان المؤيد بستانا بساحتها

يجنى النعيم وفي عليائها فلكا

10

في أمره لملوك الدهر معتبر

فليس يغتر ذو ملك بما ملكا

نبكيه من جبل خرت قواعده

فكل من كان في بطحائه هلكا

2

وفاء ابن حمديس

ومن الشعراء الذين وفوا للمعتمد في أسره، وواسوه في محنته الشاعر عبد الجبار بن حمديس.

لما أسر المعتمد وأخذ إلى أغمات، أنشأ الشاعر قصيدة تنبض حزنا ولوعة، وتنطق بما كرب الشاعر في هذه النازلة:

أباد حياتي الموت إن كنت ساليا

وأنت مقيم في قيودك عانيا

وإن لم أبار المزن قطرا بأدمع

عليك فلا سقيت منها الغواديا

تعريت من قلبي الذي كان ضاحكا

فما ألبس الأجفان إلا بواكيا

وما فرحي يوم المسرة طائعا

ولا حزني يوم المساءة عاصيا

وهل أنا إلا سائل عنك سامع

أحاديث تبكي بالنجيع المعاليا

إلى أن يقول:

وما كنت أخشى أن يقال محمد

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأص ٣٠