تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاستحق الجفاء أن حاط نزرا

فإذا ما طويت في البعض حمدا

عاد لومي في البعض سرا وجهرا

يا أبا بكر الغريب وفاء

لا عدمناك في المغارب ذخرا

أي نفع يجدي احتياط شفيق

مت ضرا فكيف أرهب ضرا

فأجاب ابن اللبانة:

أيها الماجد السميدع عذرا

صرفي البر إنما كان برا

حاش لله أن أجيح كريما

يتشكى فقرا وكم سد فقرا

لا أريد الجفاء فيه عقوقا

غدر الدهر بي لئن رمت غدرا

ليت لي قوة أو آوي لركن

فترى للوفاء مني سرا

أنت علمتني السيادة حتى

ناهضت همتي الكواكب قدرا

ربحت صفقة أزيل برودا

عن أديمي بها وألبس فخرا

3

وكفاني كلامك الرطب نيلا

كيف ألقى درا وأطلب تبرا

لم تمت إنما المكارم ماتت

لا سقى الله بعدك الأرض قطرا

واستمع ما يقول الفتح بن خاقان عن الشاعر وأميره حين زاره في محبسه:

وفي هذه الحالة زاره الأديب أبو بكر بن اللبانة، وكان المعتمد رحمه الله يميزه بالشفوف والإحسان، ويجوزه على فرسان هذا الشأن، فلما رآه وحلقات الكبل قد عضت ساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يريق دمعا إلا ممزوجا بدم، بعد ما عهده فوق منبر وسرير، ووسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، وتكف الأمطار من راحته، وتشرف الأقدار بحلول ساحته، ويرتاع الدهر من أوامره ونواهيه، ويقصر النسر أن يقارنه أو يضاهيه، ندبه بكل مقال يلهب الأكباد، ويثير فيها لوعة الحارث بن عباد، أبدع من أناشيد معبد، وأصدع للكبد من مراثي أربد

4

أو بكاء ذي الرمة بالمربد، سلك فيها للاحتفاء طريقا لاحبا، وغدا فيها لذيول الوفاء ساحبا، فمن ذلك قوله:

انفض يديك من الدنيا وساكنها

فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا

وقل لعالمها السفلي قد كتمت

سريرة العالم العلوي أغمات

طوت مظلتها، لا بل مذلتها

من لم تزل فوقه للعز رايات

من كان بين الندى والبأس أنمله

هندية، وعطاياه هنيدات

رماه من حيث لم تستره سابغة

دهر مصيباته نبل مصيبات

أنكرت إلا التواءات القيود به

وكيف تنكر في الروضات حيات

غلطت بن همايين

5

عقدن له

وبينها، فإذا الأنواع أشتات

وقلت هن ذؤابات فلم عكست

من رأسه نحو رجليه الذؤابات

حسبتها من قنا أو من أعنته

إذا بها لثقاف المجد آلات

دروه لينا فخافوا منه عادية

عذرتهم، فلعدو الليث عادات

لو كان يفرج عنه بعض آونة

قامت بدعوته حتى الجمادات

بحر محيط عهدناه تجيء له

كنقطة الدارة، السبع المحيطات

لهفي على آل عباد فإنهم

أهلة ما لها في الأفق هالات

راح الحيا وغدا منهم بمنزلة

كانت لنا بكر فيها وروحات

أرض كأن على أقطارها سرجا

قد أوقدتهن بالأدهان أنبات

وفوق شاطئ واديها رياض ربا

قد ظللتها من الأنشام دوحات

6

إلى أن يقول بعد تعديد مواطن السرور واللهو في ديار بني عباد:

معاهد ليت أني قبل فرقتها

قد مت والتاركوها ليتهم ماتوا

فجعت منها بإخوان ذوي ثقة

والأرض فيها من الإخوان آفات

وسنة ست وثمانين وأربعمائة بعد أسر المعتمد بسنتين، كان الشاعر في أغمات يواسي الأمير، ويندب حظه، وينظم القصائد أوزانها وقوافيها من اللوعات والزفرات، أنشأ هناك قصيدة طويلة منها:

لئن عظمت فيك الرزية إننا

وجدناك منها في البرية أعظما

قناة سعت للطعن حتى تقصفت

وسيف أطال الضرب حتى تثلما

ومنها:

بكى آل عباد ولا كمحمد

وأولاده صوب الغمامة إذ همى

حبيب إلى قلبي حبيب، لقوله: «عسى طلل يدنو بهم ولعلما»

7

صباحهم كنا به نحمد السرى

فلما عدمناهم سرينا على عمى

وكنا رعينا العز حول حماهم

فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى

ومنها:

حكيت وقد فارقت ملكك مالكا

ومن ولهي أحكي عليك متمما

8

مصاب هوى بالنيرات من العلا

ولم يبق في أرض المكارم معلما

تضيق علي الأرض حتى كأنما

خلقت وإياها سوارا ومعصما

ندبتك حتى لم يخل لي الأسى

دموعا بها أبكي عليك ولا دما

وإني على رسمي مقيم، فإن أمت

سأجعل للباكين رسمي موسما

بكاك الحيا، والريح شقت جيوبها

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأص ٢٩