ثبت ابن أبي عامر أركان الدولة ولكنه أضعف البيت الأموي بما استبد دونهم بالأمر، وأورث السلطان بنيه، ولم يقر الناس لبني عامر بما أقروا لبني أمية، فزالت هيبة الملك وتنازعه بنو أمية وبنو حمود العلويون حتى زالت الدولة كلها سنة 422ه.
3
ملوك الطوائف
تقسم بلاد الأندلس - بعد زوال الدولة الأموية - أمراء تنازعوا رقعتها وظفر كل واحد بما قدر عليه، فقامت إمارات تولاها أمراء سموا ملوك الطوائف، واستمر عصرهم زهاء خمسين عاما.
وكان للطوائف أربع عشرة دولة في أرجاء البلاد لا يتسع المجال لذكرها، ولا يحتاج هذا المقال إلى تعدادها، فإنما قصدنا إلى بني عباد من بينهم.
4
بنو عباد
كان أعظم ملوك الطوائف وأفسحهم ملكا وأبعدهم صيتا وأكثرهم ذكرا في التاريخ والأدب بني عباد ملوك إشبيلية وقرطبة.
قامت دولتهم في إشبيلية سنة 414ه، ثم اتسعت فاستولت على ملك بني حمود في الجزيرة سنة 450ه، وعلى ملك بني جهور في قرطبة سنة 461ه، وامتدت حتى شملت مرسية في الشرق.
ودامت دولة بني عباد سبعين سنة وتولاها منهم ثلاثة: أبو القاسم محمد، وابنه أبو عمرو عباد الملقب بالمعتضد، وابن هذا أبو القاسم محمد بن عباد الملقب بالمعتمد.
استمر ملك الأول تسع عشرة سنة (414-433ه)، وملك الثاني ثمانيا وعشرين (433-461ه)، واستمر ملك المعتمد ثلاثا وعشرين (461-484ه).
وكان للمعتمد في الجهاد بلاء عظيم، وفي الجود صيت ذائع، وفي الأدب منزلة عالية، ومن غير الأيام ومصائب الحدثان نصيب موفور. وقصته - كما تأتي - كأنها في المآسي خيال شاعر لا حقيقة واقع، وافتنان كاتب لا حادثات تاريخ. •••
ينتمي بنو عباد إلى لخم، ثم إلى مناذرة الحيرة، تردد ذكر هذا النسب في أقوالهم وأقوال من أرخوا لهم أو مدحوهم:
من بني المنذرين وهو انتساب
زاد في فخرهم بنو عباد
فتية لم تلد سواها المعالي
والمعالي قليلة الأولاد
وفد جدهم نعيم وابنه عطاف من العريش إلى الأندلس، واستوطنا إقليم إشبيلية، ويعلم أن جدهم إسماعيل بن عباد، وهو جد المعتضد، اتصل بالمنصور بن أبي عامر فولاه القضاء فلبث قاضيا إلى أن اضمحلت الدولة الأموية في أوائل القرن الرابع الهجري، ثم خلفه في القضاء والرياسة ابنه محمد بن إسماعيل القاضي جد المعتمد، عظمت مكانته وهو قاض، وكان يحيى بن علي بن حمود الحسني الملقب بالمستعلي، تغلب على قرطبة أيام اضطراب الدولة الأموية فذهب إلى إشبيلية محاصرا، فاجتمع أهلها وبايعوا القاضي على الإمارة، وقد مكن لملكه برجل ادعى أنه هشام المؤيد بن الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر - وكانت أخباره انقطعت منذ نيف وعشرين سنة ثم قيل: إنه حي في قلعة من قلاع الأندلس - فدعاه القاضي وجعل له اسم الملك ووطد به سلطانه، وثبت إمارته حتى توفي الرجل المدعو هشاما فاستبد القاضي محمد بن إسماعيل بالملك، وكان أديبا شاعرا جوادا حسن السياسة. •••
وأبدأ الكلام في بني عباد بجمل للفتح بن خاقان صاحب «مطمح الأنفس» و«قلائد العقيان». وكلامه كلام كاتب متنوق لا مؤرخ محقق، والقصد في هذا المقال ذكر المعتمد بن عباد في حالي نعيمه وبؤسه، وإثبات طرف من أخبار بني عباد في معرض الأدب وفي زينة الشعر والنثر في غير إخلال بالتاريخ ولا تحريف للحقائق؛ ليجمع القارئ بين حوادث التاريخ الأندلسي، وصور من أدب الأندلسيين في ذلك العصر.
قال الفتح بن خاقان في كتابه مطمح الأنفس وهو يذكر الوزير أبا القاسم محمد بن عباد وهو أول من ملك منهم:
هذه بقية منتماها في لخم،
1
ومرتماها إلى مفخر ضخم، وجدهم المنذر بن ماء السماء، ومطلعهم في جو تلك السماء.
وبنو عباد ملوك أنس بهم الدهر، وتنفس منهم عن أعبق الزهر، وعمروا ربع الملك، وأمروا بالحياة والهلك.
ومعتضدهم أحد من أقام وأقعد، وتبوأ كاهل الإرهاب واقتعد، وافترش من عريسته، وافترس من مكايد فريسته، وزاحم بعود، وهد كل طود، وأخمل كل ذي زي وشارة، وقتل بوحي وإشارة.