لم أقل في الثقاف كان ثقافا
كنت قلبا به وكان شغافا
وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات الحبيب، وأدل على السماح، من فجر الصباح.»
فهذا شاعر وفي يذهب في إثر صاحبه من إشبيلية في الأندلس إلى أغمات في المغرب، وهو لا يرجو خيرا ولا يأمل مغنما، بل يحتمل المشقة ويركب الخطر؛ حفاظا على الذمام، ووفاء بالعهد، ومواساة للصديق.
ويقول ابن اللبانة: كنت مع المعتمد بأغمات، فلما قاربت الصدر، وأزمعت السفر، صرف حيله واستنفد ما قبله، وبعث إلي مع شرف الدولة ولده - وهذا من بنيه أحسن الناس سمتا، وأكثرهم صمتا، تخجله اللفظة، وتجرحه اللحظة، حريص على طلب الأدب، مسارع في اقتناء الكتب، مثابر على نسخ الدواوين، مفتح فيها من خطه زهر الرياحين - بعشرين مثقالا مرابطية وثوبين غير مخيطين، وكتب معها أبياتا منها:
إليك النزر من كف الأسير
وإن تقنع تكن عين الشكور
تقبل ما يذوب له حياء
وإن عذرته حالات الفقير
فامتنعت من ذلك عليه وأجبته بأبيات منها:
تركت هواك وهو شقيق ديني
لئن شقت برودي عن غدور
ولا كنت الطليق من الرزايا
إذا أصبحت أجحف بالأسير
جذيمة أنت، والزباء خانت
وما أنا من يقصر عن قصير
تصرف في الندى حيل المعالي
فتسمح من قليل بالكثير
وأعجب منك أنك في ظلام
وترفع للعفاة منار نور
رويدك سوف توسعني سرورا
إذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعالي
غداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروان عطاء
بها، وأزيد ثم على جرير
تأهب أن تعود إلى طلوع
فليس الخسف ملتزم البدور
وأتبعتها أبياتا منها:
حاش لله أن أجيح كريما
يتشكى فقرا وكم سد فقرا
وكفاني كلامك الرطب نيلا
كيف ألفى درا وأطلب تبرا
لم تمت إنما المكارم ماتت
لا سقى الله بعدك الأرض قطرا
اختصر ابن اللبانة الأبيات التي أرسلها المعتمد مع الهدية والأبيات التي أجاب هو بها، كما أغفل أبيات المعتمد التي أرسلها إليه حينما رد الهدية معتذرا، وكذلك اختصر الأبيات التي أجاب بها هو عن أبيات المعتمد.
فرأيت أن أثبت الأبيات التي اختصرها الشاعر والتي أغفلها، على ما في هذا من إطالة؛ حرصا على تعريف القارئ بما نظمه المعتمد في أيام أسره وما راسل بها الشاعر الوفي ابن اللبانة خاصة.
أثبت ابن اللبانة بيتين للمعتمد أولهما:
إليك النزر من كف الأسير ... ... ... ...
وبعدها هذه الأبيات:
ولا تعجب لخطب غض منه
أليس الخسف ملتزم البدور؟
ورج لجبره عقبى نداه
فكم جبرت يداه من كسير
وكم أعلت علاه من حضيض
وكم حطت ظباه من أمير
وكم من منبر حنت إليه
أعالي مرتقاه، ومن سرير
زمان تزاحفت عن جانبيه
جياد الخيل بالموت المبير
فقد نظرت إليه عيون نحس
مضت منه بمعدوم النظير
نحوس كن في عقبى سعود
كذاك تدور أقدار القدير
وكم أحظى رضاه من حظي
وكم شهرت علاه من شهير
زمان تنافست في الحظ منه
ملوك قد تجور على الدهور
بحيث يطير بالأبطال ذعر
ويلفى ثم أثبت من ثبير
فأجاب ابن اللبانة بهذه الأبيات:
سقطت من الوفاء على خبير
فذرني والذي لك في ضميري
تركت هواك وهو شقيق ديني
لئن شقت برودي عن غدور
ولا كنت الطليق من الرزايا
لئن أصبحت أجحف بالأسير
أسير ولا أصير إلى اغتنام
معاذ الله من سوء المصير
إذا ما الشكر كان، وإن تناهى،
على نعمى، فما فضل الشكور؟
جذيمة أنت والزباء خانت
وما أنا من يقصر من قصير
أنا أدرى بفضلك منك إني
لبست الظل منه في الحرور
غني النفس أنت وإن ألحت
على كفيك حالات الفقير
تصرف في الندى حيل المعالي
فتسمح من قليل بالكثير
أحدث منك عن نبع غزير
تفتح عن جنى زهر نضير
وأعجب منك أنك في ظلام ... ... ... ...
إلخ.
تأتي خمسة الأبيات الأخيرة على النسق الذي في رواية ابن اللبانة. •••
وهذه الأبيات التي أنشأها المعتمد حين أبى ابن اللبانة قبول الهدية:
رد بري بغيا علي وبرا
وجفا فاستحق لوما وشكرا
حاط نزري إذ خاف تأكيد ضري