تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال: من هذا؟ فقال ابن عباد: إنسان يرغب أن تصلح له الفتيلة. فقال: لو ضرب ابن عباد بابي في هذا الوقت ما فتحت له. فقال: فإني ابن عباد. فقال: مصفوع ألف صفعة.

فضحك ابن عباد حتى سقط على الأرض وقال لوزيره: امض بنا قبل أن يتعدى الصفع من القول إلى الفعل، فهذا شيخ ركيك.

ولما كان من غد تلك الليلة وجه له ألف درهم، وقال لموصلها: قل له: هذه من الألف صفعة التي كانت البارحة.

والقصة الثانية:

كان في زمان المعتمد السارق المشهور بالبازي الأشهب، وكان له في السرقة كل غريبة، وكان مسلطا على أهل البادية، وبلغ من سرقته أنه سرق وهو مصلوب؛ لأن ابن عباد أمر بصلبه على ممر أهل البادية لينظروا إليه، فبينما هو على خشبته على تلك الحال؛ إذ جاءت إليه زوجته وبناته، وجعلن يبكين حوله ويقلن: لمن تتركنا؟! نضيع بعدك. وإذا ببدوي على بغل وتحته حمل ثياب وأسياب، فصاح عليه: يا سيدي، انظر في أية حالة أنا، ولي عندك حاجة فيها فائدة لي ولك. قال: وما هي؟ قال: انظر إلى تلك البئر، لما أرهقني الشرط رميت فيها مائة دينار، فعسى تحتال في إخراجها، وهذه زوجتي وبناتي يمسكن بغلك، خلال ما تخرجها، فعمد البدوي إلى حبل ودلى نفسه في البئر، بعد ما اتفق معه على أن يأخذ النصف منها.

فلما حصل أسفل البئر قطعت زوجة السارق الحبل وبقي حائرا يصيح، وأخذت ما كان على البغل مع بناتها وفرت به ...

ورفعت هذه القصة إلى ابن عباد فتعجب منها وأمر بإحضار البازي الأشهب وقال له: كيف فعلت هذا مع أنك في قبضة الهلكة؟ فقال له: يا سيدي، لو علمت قدر لذتي في السرقة خليت ملكك واشتغلت بها! فلعنه وضحك منه ثم قال له:

إن سرحتك وأحسنت إليك، وأجريت عليك رزقا يقلك؛ أتتوب من هذه الصنعة الذميمة؟

فقال: يا مولاي، وكيف لا أقبل التوبة وهي تخلصني من القتل؟

فعاهده وقدمه على رجال أنجاد، وصار من جملة حراس أحواز المدينة.

هاتان قصتان لهما دلالتهما على صلة الرجل برعيته، ومعرفة أحوالهم، وتفكهه معهم.

| المعتمد في إساره والأوفياء من الشعراء وغيرهم

1

أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة

وفاء ابن اللبانة للمعتمد بن عباد، مثل كريم من الوفاء للصديق في نكبته ومواساته في مصيبته.

اتصل الشاعر ببني عباد ومدحهم منذ أيام المعتضد أبي المعتمد، وحمد صحبتهم، وشكر نعمتهم، وكتب في تاريخهم كتاب «الاعتماد في أخبار بني عباد» وكتب بعد ما حلت بهم الفاجعة: «نظم السلوك في مواعظ الملوك»؛ يبين العبرة والموعظة فيما أصاب هؤلاء الأمراء الأدباء الكرماء.

وأنقل هنا كلمات للفتح بن خاقان في كتابه «قلائد العقيان» فيها إجمال حال الشاعر مع المعتمد بن عباد في دولته ومحنته:

كان المعتمد على الله يميزه بالتقريب، ويستعذب ما يأتي به من النادر الغريب، ويوليه إنعاما وإحسانا، ويريه الزمان كله آذارا ونيسانا،

1

فلما نبت صعاده، وأعوزه من دهره إسعاده، ورحل به إلى المغرب، وحل فيه محل النازح المغترب، وغدرته الأيام غدر أهل خراسان بقتيبة، وفى له أبو بكر بالرحلة إليه وفاء الظعينة لعتيبة، وتراسلا هناك بأشعار شفى بها المعتمد نفسه، واستوفى سلوه وأنسه، وشكر له ما ناله من مسلاته، وحمد عقد موالاته، وصار له بذلك حق مشهور، وفخر لا تبليه الدهور.

ولست في حاجة إلى الإطناب في وفاء هذا الرجل الكريم فهذه نبذ من أنبائه، تدل على عظيم وفائه:

شهد هول الواقعة في إشبيلية ورأى رأي العين المعتمد وآله يؤسرون، وأنشأ قصيدته التي قدمت:

تبكي السماء بمزن رائح غادي

على البهاليل من أبناء عباد

يقول الشاعر: «ورحل بالمعتمد وآله بعد استئصال جميع ماله، لم يصحب معه بلغة زاد، ولا بغية مراد، فأمضيت عزيمتي في اتباعه، فوصلت إليه بأغمات عقب ثقاف استنفذه الله منه،

2

فذكرت به شعرا كان لي في صديق اتفق له مثل ذلك في الشهر بعينه من العام الماضي، وهو الأمير عبد الله بن الصفار، وهو:

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأص ٢٧