لطفت رأيك في بري وتكرمتي
إن الكريم على العلياء يحتال
ولهذا قصده الشعراء والكتاب من كل صوب.
ولم تفارقه الأريحة للعطاء، والسماح بالمال في أيام بؤسه وفقره، وهو أحوج إلى ما في يده، فقد أعطى الحصري الشاعر حين لقيه في طنجة وهو أسير يسار به إلى معتقله، وأرسل إلى شاعره الوفي أبي بكر الواني هبة حين زاره في أغمات فردها الشاعر.
فقد صدق المعتمد حين قال عن نفسه:
وقد حننت إلى ما اعتدت من كرم
حنين أرض إلى مستأخر المطر
وقد تناهت يدي عن كأسها غضب
ومجت الأذن أيضا نغمة الوتر
حتى أملك هذي ما تجود به
وأسمع الحمد بالأخرى على الأثر
فهاتها خلعا أرضي السماح بها
محفوفة في أكف الشرب بالبدر (2)
وكان المعتمد على الله شجاعا مقداما، يخوض المعارك ويقدم على الأهوال، أبيا يؤثر الموت على الهوان.
وحسبنا بلاؤه في موقعة الزلاقة، وبسالته في الدفاع عن إشبيلية، وخروجه حاسرا حين فجأه العدو في بلده، وهي الحال التي وصفها في الأبيات:
إن تستلب مني الدنيا
ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه
لم تسلم القلب الضلوع
وقد تقدمت الأبيات. (3)
وكان حسن المعاشرة، لين العريكة، يكرم أصحابه، ويتواضع لهم.
وقد تقدمت سيرته مع أصحابه في مخاطبتهم مخاطبة الأصدقاء لا الرعية، ومداعبتهم، والتلطف معهم.
وحسبنا قصائده في ابن زيدون، وقد أمر المعتضد أن يرفع مجلس المعتمد على مجلس ابن زيدون فكتب المعتمد:
أيها المنحط عني مجلسا
وله في النفس أعلى مجلس
بفؤادي لك حب يقتضي
أن ترى تحمل فوق الأرؤس
وهكذا تجده فيما كتب لشعرائه وأصدقائه وقصاده.
وسيأتي اعتذاره لابن حمديس حينما زاره في أغمات فقال له الخادم: إن المعتمد ليس في الدار. وما كان بينه وبين ابن اللبانة من شعر هناك، وإن يقل: هذه حاله في أسره وبؤسه أقل بل هذا كان ديدنه وهو في سلطانه ودولته. فما كذب المعتمد حين قال لابن عمار:
متى تلقني تلق الذي قد بلوته
صفوحا عن الجاني رءوفا على الصحب
سأوليك مني ما عهدت من الرضا
وأصفح عما كان، إن كان، من ذنب
فما أشعر الرحمن قلبي قسوة
ولا صار نسيان الأذمة من شعبي
وأما قتله ابن عمار فهو خلاف ما عهد أصحاب المعتمد منه، ورجوه عنده، وله سبب ذكرته فيما تقدم في الكلام عن ابن عمار، ولا يقتل المعتمد صاحبه بعد غلوه في محبته ومودته إلا لأمر أخرج المعتمد عن طبعه، وحمله على قتل صديقه بيده. (4)
وكان وفيا لأصحابه، وحسبنا ما قدمنا في حديث ابن زيدون، وقد صدق المعتمد في قوله جوابا لمن أغروه بالفتك به:
أنى رجوتم غدر من جربتم
منه الوفاء وظلم من لا يظلم
أنا ذاكم لا البغي يثمر غرسه
عندي ولا مبنى الصنيعة يثلم (5)
وكان المعتمد صبورا، نزل به من الكوارث ما تحدث به الناس قرونا وما زالوا يتحدثون به ويرثون لمن نزلت به هذه المصائب، ونجد المعتمد على ما أصابه وأصاب بنيه وبناته ذا طبع شاعر ينظم الشعر في طريقه إلى المنفى، يذكر شعراء طنجة الذين ألحفوا في سؤاله، ويعاتب الحصري على أنه لم يجب عن شعره، ويجيب ابن حمديس وابن اللبانة عما ينظمان له من أبيات، ويرثي بنيه، ويصف بناته في الأسر والذل، ويذكر عض القيود بساقيه، ويودع السجناء من أهل فاس حين أطلقوا من السجن، وهلم جرا.
ولا ينظم الشعر في هذه الأحوال ، إلا صابر على بلواه، جلد فيما دهاه، يقول أبو الطيب:
ولكن حمى الشعر إلا القليل
هم حمى النوم إلا غرارا
ويقول المعري:
ولكن القريض له مغان
وأولاها به الفكر الخلي
وإن قيل: إن الحزن والجزع أنطقاه بالشعر، فبعض هذا الشعر ينطق به الحزن والجزع ولكن بعضه كمحاورة الشعراء لا يدل على حزن وجزع بل على تعز وتجلد. (6)
وكان ابن عباد يتعرف أحوال رعيته، ويلاطفهم ويمازحهم.
اقرأ هاتين القصتين كما رواهما نفح الطيب:
مر المعتمد يوما مع وزيره ابن عمار بباب شيخ كبير كثير التندير والفكاهة يمزج ذلك بإغراق يضحك الثكلى، فقال لابن عمار: تعال نضرب على هذا الشيخ الساقط بابه حتى نضحك معه. فضربا عليه الباب.