تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وآخرها رداء من تراب

على أن المعتمد بن عباد ملك إشبيلية وقرطبة وبطل الزلاقة وأسير أغمات، كان يلجأ في مصيبته إلى الرحمن، ويجد في الإيمان به كل سلوان، ويتعزى ويتصبر، ويعلل النفس بالقضاء والقدر، ويتسلى بصروف الدهر وغيره، وخطوبه وعبره ... اقرأ قوله:

اقنع بحظك في دنياك ما كانا

وعز نفسك إن فارقت أوطانا

في الله من كل مفقود مضى، عوض

فأشعر النفس سلوانا وإيمانا

أكلما سنحت ذكرى طربت لها

مجت دموعك في خديك طوفانا

أما سمعت بسلطان شبيهك قد

بزته سود خطوب الدهر سلطانا

وطن على الكره وارقب إثره فرجا

واستغفر الله تغنم منه غفرانا

ويقول:

تؤمل للنفس الشجية راحة

وتأبى الخطوب السود إلا تماديا

لياليك في زاهيك أصفى صحبتها

كذا صحبت قبلي الملوك اللياليا

نعيم وبؤس، ذا لذلك ناسخ

وبعدهما نسخ الليالي الأمانيا (1) عيشة المعتمد في أغمات

مر بنا ما مر من أحوال المعتمد في شقائه وبؤسه، وما لقي من غير الأيام في نكبته ومحنته، وحسب القارئ ما مر به، ولكن لعل قارئا يسأل كيف كانت عيشة المعتمد؟ لا ريب أنها كانت عيشة ضنكا، ولكن ما كان مبلغها من الضيق والحرمان؟

مر بنا أن المعتمد سأل حواء بنت تاشفين خباء فاعتذرت إليه أن ليس عندها خباء، ومر بنا أن بناته غزلن للقوت، وأن ابنا له عمل في حانوت صائغ ومر به ابن اللبانة فأنشأ قصيدته الباكية التي أثبت آنفا.

ويقول ابن الأثير في حوادث سنة 484:

وفعل أمير المسلمين بهم أفعالا لم يسلكها أحد ممن كان قبله، ولا يفعلها أحد ممن يأتي بعده؛ إلا من رضي لنفسه بهذه الرذيلة؛ وذلك أنه سجنهم فلم يجر عليهم ما يقوم بهم، حتى كان بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ينفقنها على أنفسهن، وذكر ذلك المعتمد في أبيات ترد عند ذكر وفاته، فأبان أمير المسلمين بهذا الفعل عن صغر نفس ولؤم قدرة.

كل هذه الأخبار تدل على بؤس المعتمد وضيق عيشته، ولكنا نجد في الأخبار كذلك أنه أعطى الحصري الشاعر حين قصده في طنجة وهو في طريقه إلى المنفى، وأنه أرسل إلى ابن اللبانة حين أزمع السفر من أغمات هدية ذات قيمة فاعتذر ابن اللبانة وردها، ونقرأ كذلك أن ابن حمديس الشاعر زاره فحجبه الخادم وأنشأ المعتمد أبياتا يعتذر فيها لابن حمديس ويذكر غباوة خدمه وجهلهم بعد أن كان خدمه ما كانوا وهو في ملكه ودولته.

والجمع بين هذه الأخبار المختلفة أن الرجل عاش في شقاء وبؤس وضيق، لا ريب في هذا، ولا يبعد أن بعض أقاربه أو أصهاره أو أنصاره الذين سلموا من النكبة أمدوه بما يقيم أوده، ويحفظ كرامته؛ وقد قصده الشعراء ووفوا له في شدته وكربته فليس بعيدا أن يكون غيرهم قصده أو أرسل إليه ما يخفف عنه شدة الأسر، وقسوة الفاقة، فصلحت حاله أحيانا، ولا أقول: إن المعتمد ادخر بعض جواهره ونفائسه فأنفق منها، فلو كان عنده بقية من الأعلاق ما غزلت بناته للناس ولا نفخ ابنه في كير صائغ. (2) أخلاق المعتمد

أسلفنا قول المراكشي:

وكان فيه من الفضائل الذاتية ما لا يكاد يحصى؛ كالشجاعة والسخاء والحياء والنزاهة، إلى ما يناسب هذه الأخلاق الشريفة، وفي الجملة فلا أعلم خصلة تحمد في رجل إلا وقد وهبه الله منها أوفر قسم، وضرب له فيها بأوفى سهم.

وإذا عدت حسنات الأندلس من لدن فتحها إلى هذا الوقت فالمعتمد هذا إحداها؛ بل أكبرها.

وإن يكن في هذا القول غلو فهو دليل على مكانة المعتمد عند المؤرخين في عصره والعصور التالية، ويتبين من الفصول السابقة كثير من أخلاق المعتمد بن عباد، فالقارئ يرى سيرته في نعيمه وبؤسه، تبين عن أخلاق كريمة وشمائل شريفة.

وفي هذا الفصل جمع ما تفرق في الفصول الأخرى، وإجمال ما فصل فيها من شمائل الرجل ومناقبه: (1)

لا ريب أن المعتمد كان أميرا جوادا يرتاح إلى الجود، ويلذ العطاء، ويتوسل إلى مواساة أصحابه وقصاده وسائل شتى، ويفتن في الإحسان إليهم كما يقول أبو الطيب في أبي شجاع فاتك:

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأص ٢٥