لنفسي إلى لقيا الحمام تشوق
سواي بحب العيش في ساقه حجل
ألا عصم الله القطا في فراخها
فإن فراخي خانها الماء والظل
وسجن جماعة من أهل فاس في أغمات فرغبوا إلى السجان أن ييسر لهم لقاء المعتمد وكان يتسلى بمجالستهم ويستريح إلى محادثتهم إلى أن أطلقوا من سجنهم فدخلوا عليه يودعونه، فقال:
أما لانسكاب الدمع في الخد راحة
لقد آن أن يفنى ويفنى به الخد
هبوا دعوة يا آل فاس لمبتلى
بما منه قد عافاكم الصمد الفرد
تخلصتم من سجن أغمات والتوت
علي قيود لم يحن فكها بعد
من الدهم، أما خلقها فأساود
تلوى وأما الأيد والبطش فالأسد
فهنيتم النعمى ودامت لكلكم
سعادته، إن كان قد خانني سعد
خرجتم جماعات، وخلفت واحدا
ولله في أمري وأمركم الحمد
انظر كيف رقت نفسه، وتمنى لكل خلق أن يعيش حرا سعيدا، فهو يغبط القطا على حريتها ويدعو لها أن يعصمها الله في فراخها، وهو يغبط من خلي سبيلهم، ويدعو لهم أن تدوم لهم السعادة التي حرمها، ويسألهم الدعاء للخلاص من هذا البلاء.
وتأمل في هذه الأبيات التي أنشأها حين طلب إليه رجل أن يزوده بشيء من شعره:
يا سائل الشعر يجتاب الفلاة به
تزويدك الشعر لا يغني عن السغب
زاو من الريح لا ري ولا شبع
غدا له مؤثرا ذو اللب والأدب
أصبحت صفرا يدي مما تجود به
ما أعجب الحادث المقدور في رجب
5
ذل وفقر أزالا عزة وغنى
نعمى الليالي من البلوى على كثب
قد كان يستلب الجبار مهجته
بطشي ويحيا قتيل الفقر في طلبي
والملك يحرسه في ظل واهبه
غلب من العجم أو شم من العرب
فحين شاء الذي آتاه ينزعه
لم يجد شيئا قراع السمر والقضب
ويروي الفتح بن خاقان أن المعتمد لما بلغته ثورة ابنه عبد الجبار جزع وأشفق أن يؤخذ بجريرة ولده، ولكن أخبار هذه الثورة فيما يبدو أعادت إلى نفسه ذكرى القوة والسلطان، وأثارت فيه كوامن العزة والإقدام، ولوحت له بأمل ضئيل من خلاصه ورجوع ملكه إليه.
يروي الفتح عمن يثق به بعد أن ذكر جزع المعتمد لثورة ابنه:
ثم أطرق ورفع رأسه وقد تهللت أسرته، وظللته مسرته، ورأيته قد استجمع، وتشوف إلى السماء وتطلع، فعلمت أنه رجا عودة إلى سلطانه، وأوبة إلى أوطانه، فما كان إلا بمقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة حائرة حتى قال:
كذا يهلك السيف في جفنه
إلى هز كفي طويل الحنين
كذا يعطش الرمح لم أعتقله
ولم تروه من نجيع يميني
كذا يمنع الطرف علك الشكي
م مرتقبا غرة في كمين
كأن الفوارس فيه ليوث
تراعي فرائسها في عرين
ألا شرف يرحم المشرفي
مما به من شمات الوتين
6
ألا كرم ينعش السمهري
ويشفيه من كل داء دفين
ألا حنة لابن محنية
شديد الحنين ضعيف الأنين
7
يؤمل من صدرها ضمة
تبوئه صدر كبر معين
8
تأمل نفثات البطولة المصفدة، والعزة المقيدة، والهمة الحبيسة، والسيرة الماجدة، يحدها السجن، ويضيق عليها الأسر.
وليس بعيدا أن يكون الرجل على شدة محنته، وعظم نكبته، قد أسر في نفسه أملا وأضمر في الحادثات رجاء، كما قال:
وطن على الكره وارقب إثره فرجا
واستغفر الله تغنم منه غفرانا
وكان شعراؤه يبعثون في نفسه الأمل كما قال ابن اللبانة:
رويدك سوف توسعني سرورا
إذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعالي
غداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروان عطاء
بها، وأزيد ثم على جرير
تأهب أن تعود إلى طلوع
فليس الخسف ملتزم البدور
وقال في محبسه:
قبح الدهر فماذا صنعا
كلما أعطى نفيسا نزعا
قد هوى ظلما بمن عاداته
أن ينادي كل من يهوي: لعا
من إذا قيل الخنى صم، وإن
نطق العافون همسا سمعا
قل لمن يطمع في نائله
قد أزال اليأس ذاك الطمعا
راح لا يملك إلا دعوة
جبر الله العفاة الضيعا
وقد أجمل وصف الدنيا بعد أن عرف صروفها، وتقلبت على عينيه خطوبها في هذه الأبيات:
أرى الدنيا الدنية لا تواتي
فأجمل في التصرف والطلاب
ولا يغررك منها حسن برد
له علمان من ذهب الذهاب
فأولها رجاء من سراب