غريب بأرض المغربين أسير
سيبكي عليه منبر وسرير
وتندبه البيض الصوارم والقنا
وينهل دمع بينهن غزير
مضى زمن والملك مستأنس به
وأصبح منه اليوم وهو نفور
برأي من الدهر المضلل فاسد
متى صلحت للصالحين دهور
أذل بني ماء السماء زمانهم
وذل بني ماء السماء كبير
3
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة
أمامي وخلفي روضة وغدير
بمنبتة الزيتون مورقة العلا
يغني حمام أو ترن طيور
بزاهرها السامي الذرى جاده الحيا
تشير الثريا نحونا ونشير
ويلحظنا الزاهي وسعد سعوده
غيورين والصب المحب غيور
تراه عسيرا لا يسيرا مناله
ألا كل ما شاء الإله يسير
4
وقال:
بكى المبارك في إثر ابن عباد
بكى على إثر غزلان وآساد
بكت ثرياه لا غمت كواكبها
بمثل نوء الثريا الرائح الغادي
بكى الوحيد، بكى الزاهي وقبته
والنهر والتاج، كل ذله بادي
ودخل عليه بناته يوم عيد وقد حالت حالهن وذوت نضرتهن - وكن قد اضطررن إلى الغزل لتحصيل قوتهن، وقيل: غزلن لصاحب شرطة كان في خدمة أبيهن - عيد بأية حال عدت يا عيد. فقال المعتمد:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
لا خد إلا ويشكو الجدب ظاهره
وليس إلا مع الأنفاس ممطورا
قد كان دهرك، إن تأمره، ممتثلا
فردك الدهر منهيا ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به
فإنما بات بالأحلام مغرورا
ودخل عليه ابنه أبو هاشم، هذا الصبي الذي ذكره حين احتدام القتال في موقعة الزلاقة، فقال كما تقدم:
أبا هاشم هشمتني الشفار
فلله صبري لذاك الأورار
ذكرت شخيصك تحت العجاج
فلم يثنني ذكره للفرار
دخل أبو هاشم على أبيه أسيرا سجينا «والقيود قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود» فقال:
قيدي! أما تعلمني مسلما
أبيت أن تشفق أو ترحما
دمي شراب لك واللحم قد
أكلته، لا تهشم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشم
فينثني والقلب قد هشما
ارحم طفيلا طائشا لبه
لم يخش أن يأتيك مسترحما
وارحم أخيات له مثله
جرعتهن السم والعلقما
منهن من يفهم شيئا فقد
خفنا عليه للبكاء العمى
والغير لا يفهم شيئا فما
يفتح إلا لرضاع فما
ومما قاله في التوجع من أسره وقيده:
غنتك أغماتية الألحان
ثقلت على الأرواح والأبدان
قد كان كالثعبان رمحك في الورى
فغدا عليك القيد كالثعبان
متمردا يحميك كل تمرد
متعطفا لا رحمة للعاني
قلبي إلى الرحمن يشكو بثه
ما خاب من يشكو إلى الرحمن
وقال:
أنباء أسرك قد طبقن آفاقا
بل قد عممن جهات الأرض إقلاقا
فأحرق الفجع أكبادا وأفئدة
وأغرق الدمع آماقا وأحداقا
أنى غلبت وكنت الدهر ذا غلب
للغالبين وللسباق سباقا
قلت: الخطوب أذاقتني طوارقها
وكان غربي إلى الأعداء طراقا
متى رأيت صروف الدهر تاركة
إذا انبرت، لذوي الأخطار أرماقا
ومر عليه سرب قطا وهو في معتقله، وأنقل هنا كلمات الفتح بن خاقان في تصوير هذه الحال:
ومر عليه في موضع اعتقاله سرب قطا لم يقلق لها جناح ولا تعلق بها من الأيام جناح، ولا عاقها عن أفراخها الأشراك، ولا أعوزها البشام ولا الأراك، وهي تمرح في الجو وتسرح في مواقع النو، فتنكد بما هو فيه من الوثاق وما دون أحبته من الرقباء والأغلاق، وما يقاسيه من كبله، ويعانيه من وجده وخبله، وفكر في بناته وافتقارهن إلى نعيم عهدنه، وحبور حضرنه وشهدنه، فقال:
بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي
سوارح لا سجن يعوق ولا كبل
ولم تك، والله المعيد، حسادة
ولكن حنينا أن شكلي لها شكل
فأسرح لا شملي صديع، ولا الحشا
وجيع، ولا عيناي يبكيهما ثكل
هنيئا لها؛ إذ لم يفرق جميعها
ولا ذاق عنها البعد من أهلها أهل
وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها
إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل
وما ذاك مما يعتريه وإنما
وصفت الذي في جبلة الخلق من قبل