ولم يكن عند المعتمد في ذلك اليوم ما زود به فيما بلغني أكثر من ستة وثلاثين مثقالا، فطبع عليها، وكتب معها بقطعة شعر يعتذر من قلتها سقطت من حفظي، ووجه بها إليه، فلم يجاوبه على القطعة على سهولة الشعر على خاطره، وخفته عليه - كان هذا الرجل، أعني الحصري الأعمى، أسرع الناس في الشعر خاطرا إلا أنه كان قليل الجيد منه - فحركه المعتمد على الله على الجواب بقطعة أولها:
قل لمن قد جمع العلم
وما أحصى صوابه
كان في الصرة شعر
فتنظرنا جوابه
قد أثبناك فهلا
جلب الشعر ثوابه؟
ولما اتصل بزعانف الشعراء وملحفي أهل الكدية ما صنع المعتمد رحمه الله مع الحصري تعرضوا له بكل طريق، وقصدوه من كل فج عميق، فقال في ذلك رحمه الله:
شعراء طنجة كلهم والمغرب
ذهبوا من الإغراب أبعد مذهب
سألوا العسير من الأسير وإنه
بسؤالهم لأحق منهم فأعجب
لولا الحياء وعزة لخمية
طي الحشا ساواهم في المطلب
قد كان إن سئل الندى يجزل وإن
نادى الصريخ ببابه اركب يركب
وأقام المعتمد بطنجة أياما على الحال التي تقدم ذكرها ثم انتقل إلى مدينة مكناسة فأقام بها أشهرا إلى أن نفذ الأمر بتسييرهم إلى مدينة أغمات.
وفي ديوان المعتمد أنه عتب على ابنه الرشيد عتبا شديدا وهما في الطريق من مكناسة إلى أغمات فكتب الرشيد إليه:
يا حليف الندى ورب السماح
وحبيب النفوس والأرواح
من تمام النعمى علي التماحي
لمحة من جبينك الوضاح
قد غنينا ببشره وسناه
عن ضياء الصباح والمصباح
فأجاب المعتمد:
كنت حلف الندى ورب السماح
وحبيب النفوس والأرواح
إذ يميني للبذل يوم العطايا
ولقبض الأرواح يوم الكفاح
وشمالي لقبض كل عنان
يقحم الخيل في مجال الرماح
وأنا اليوم رهن أسر وفقر
مستباح الحمى مهيض الجناح
لا أجيب الصريخ إن فزع الناس
ولا المعتفين يوم السماح
5
عاد بشري الذي عهدت عبوسا
شغلتني الأشجان عن أفراحي
فالتماحي إلى العيون كريه
ولقد كان ترفة اللماح
| المعتمد في أغمات
ومدينة أغمات كما يقول ياقوت:
مدينتان متقابلتان ... كثيرة الخير ... وليس بالمغرب فيما زعموا بلد أجمع لأصناف من الخيرات ولا أكثر ناحية ولا أوفر حظا ولا خصبا منها تجمع بين فواكه الصرود والجروم
1 ...
وبين مدينة أغمات ومراكش ثلاثة فراسخ وهي في سفح جبل هناك، كانت أغمات كبرى مدن الإقليم قبل إنشاء مدينة مراكش، وفقدت مكانتها وقل عمرانها حينما أنشئت مراكش سنة 454ه.
وقد استولى عليها المرابطون سنة 449ه، ونفوا إليها المعتمد سنة 484ه، وبها أطلال مدرسة قديمة ومقابر كثيرة، وقبر المعتمد هناك.
وهي اليوم مزارع وبساتين واسعة كثيرة الثمار، عذبة المياه وارفة الظلال.
بقي البطل ابن عباد في أغمات أربع سنوات حتى أنقذته المنية من هذه البلية، وقد ضيق عليه وأثقلت القيود على رجليه حين ثار ابنه عبد الجبار في الأندلس، وقد جزع المعتمد لهذا وتوقع أن يؤخذ بجريرة ابنه أو يخشى فراره من معتقله.
ويقول الفتح:
وقال لي من أثقه: لما ثار ابنه حيث ثار، وأثار من حقد أمير المسلمين عليه ما أثار، جزع جزعا مفرطا، وعلم أنه قد صار في أنشوطة الشر متورطا، وجعل يتشكى من فعله، ويتكلم، ويتوجع منه ويتألم، ويقول: عرض بي للمحن، ورضي لي أن أمتحن، ووالله ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بعدي ويتحيفه بعدي.
2
ويقول الفتح:
وأقام بالعدوة برهة لا يروع له سرب وإن لم يكن آمنا، ولا يثور له كرب وإن كان في ضلوعه كامنا، إلى أن ثار أحد بنيه بأركش.
وله في أسره وبؤسه وعض الأداهم في رجليه ومنظر بناته في الأطمار عليهن الذلة بعد العزة وهن يغزلن ليحصلن القوت. له في هذه المرائي الأليمة والأحوال الحزينة، أشعار ترقق القلوب القاسية، وتسيل العيون الجامدة، وإليك طرفا منها:
قال يذكر قصوره التي أشاد بناءها وافتن في تزيينها، وعمر بالسرور أرجاءها، وحمد في ظل النعيم صباحها ومساءها: