تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم انصرف وقد أيقن بانتهاء حاله، وذهاب ملكه وارتحاله. وعاد إلى القصر واستمسك فيه يومه وليلته مانعا لحوزته، دافعا للذل عن عزته، وقد عزم على أفظع أمر، قائلا: بيدي لا بيد عمرو. ثم صرفه تقاه عما نواه (يعني أنه هم بالانتحار) فنزل من القصر بالقسر إلى قبضة الأسر، فقيد للحين، وحان له يوم شر ما ظن أنه يحين ...

ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، بعد ما ضاق منهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حشروا بضفتي الوادي، وبكوا بدموع كالغوادي، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم.

ويقول المراكشي: إن دخول جماعة من الباب ودفع المعتمد إياهم كان الثلاثاء منتصف رجب. ويقول : إن الجيوش دهمت المدينة عصر ذلك اليوم من البر ومن الوادي، ودام القتال أياما إلى أن جاء قائد المرابطين سير بن أبي بكر بن تاشفين، بعساكر متظاهرة، وحشود من الرعية متوافرة، والناس في خلال هذه الأيام قد خامرهم الجزع، وخالط قلوبهم الهلع، يقطعون السبل سباحة، ويعبرون النهر سياحة، ويتولجون مجاري الأقذار، ويترامون من شرفات الأسوار؛ حرصا على الحياة، والموفون بالعهد المقيمون على صريح الود ثابتون إلى أن كان يوم الأحد لإحدى وعشرين ليلة خلت من رجب من السنة المذكورة، وهذا يوم الكائنة العظمى والطامة الكبرى، فيه حم الأمر الواقع، واتسع الخرق على الراقع.

ويستمر المراكشي بعد وصفه ناقلا كلام الفتح الذي تقدم.

ثم يقول:

وأجبر على مخاطبة ابنه المعتد بالله والراضي بالله، وكانا بمعقلين من معاقل الأندلس المشهورة لو شاءا أن يمتنعا بها لم يصل أحد إليهما، أحد الحصنين يسمى رندة والآخر مارتلة، فكتب رحمه الله وكتبت السيدة الكبرى أمهما مستعطفين مسترحمين معلمين أن دم الكل منهم مسترهن بثبوتهما، فأنفا من الذل، وأبيا وضع يديهما في يد أحد من الناس بعد أبيهما، ثم عطفتهما عواطف الرحمة، ونظرا في حقوق أبويهما المقترنة بحق الله - عز وجل - فتمسك كل منهما بدينه ونبذ دنياه، ونزلا من الحصنين بعد عهود مبرمة ومواثيق محكمة، فأما المعتد بالله فإن القائد الواصل إليه قبض عند نزوله على كل ما كان يملكه، وأما الراضي بالله فعند خروجه من قصره قتل غيلة وأخفي جسده.

والأبيات التي رواها الفتح فيما تقدم يزيد عليها المراكشي في روايته ثلاثة أبيات قبلها:

لما تماسكت الدموع

ونهنه القلب الصديع

قالوا الخضوع سياسة

فليبد منك لهم خضوع

وألذ من طعم الخضو

ع على فمي السم النقيع

ووقف الشاعر الوفي أبو بكر بن اللبانة الذي أخلص لصاحبه في محنته، كما نعم بعطاياه في دولته، وقف الشاعر الوفي يرى القيامة ويشهد الحشر فقال:

تبكي السماء بمزن رائح غاد

على البهاليل من أبناء عباد

على الجبال التي هدت قواعدها

وكانت الأرض منها ذات أوتاد

عريسة دخلتها النائبات على

أساود لهم فيها وآساد

وكعبة كانت الآمال تخدمها

فاليوم لا عاكف فيها ولا باد

يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ

في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد

ويا مؤمل واديهم لتسكنه

خف القطين وجف الزرع بالواد

وأنت يا فارس الخيل التي جعلت

تختال في عدد منهم وأعداد

ألق السلاح وخل المشرفي فقد

أصبحت في لهوات الضيغم العادي

إلى أن يقول:

نسبت إلا غداة النهر كونهم

في المنشآت كأموات بألحاد

والناس قد ملئوا العبرين واعتبروا

من لؤلؤ طافيات فوق أزباد

حط القناع فلم تستر مخدرة

ومزقت أوجه تمزيق أبراد

حان الوداع فضجت كل صارخة

وصارخ من مفداة ومن فاد

سارت سفائنهم والنوح يصحبها

كأنها إبل يحدو بها الحادي

كم سال في الماء من دمع وكم حملت

تلك القطائع من قطعات أكباد

سارت السفن بالمعتمد وآله وأتباعه في نهر الوادي الكبير، ثم في بحر الظلمات؛ حتى أرست على ساحل المغرب.

ولما خرج من السفين الأمير الجواد الأبي الصنديد، اجتمع إليه السوال يستجدون ويلحفون، جاءه الحصري الشاعر فرفع إليه أشعارا قديمة كان قد مدحه بها، وقصيدة استجدها، يقول المراكشي في كتاب المعجب:

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأص ٢١