ونختار في حصار المعتمد وأسره ما كتبه شاعره ابن اللبانة في كتابه نظم السلوك في مواعظ الملوك، ويدل كلامه أنه كان شاهد الوقعة، حاضر النكبة:
إن طائفة من أصحاب المعتمد خامرت عليه، فأعلم باعتقادها، وكشف له عن مرادها، وحض على هتك حرمها، وأغري بسفك دمها، فأبى ذلك مجده الأثيل، ومذهبه الجميل، وما خصه الله - تعالى - به من حسن اليقين، وصحة الدين إلى أن أمكنتهم الغرة فانتصروا ببغاث مستنسر وقاموا بجمع غير مستبصر، فبرز من قصره متلافيا لأمره، عليه غلالة ترف على جسده، وسيفه يتلظى في يده ...
يوافق ابن اللبانة غيره على أن جماعة من أصحاب المعتمد خانته وأنه فوجئ في قصره فخرج في غير عدة، ولعل المعتمد لم يعرض لهذه الجماعة بشر حين نمى أمرها إليه؛ خيفة اختلاف الكلمة وافتراق الجماعة في وقت الشدة.
ولا نجد في كلام ابن اللبانة ذكر لهو المعتمد وغفلته والنذر تحيط به، وهو قول باطل سجع به الفتح كسجع الكهان.
ثم يقول ابن اللبانة:
فلقي على باب من أبواب المدينة فارسا مشهورا بنجدة، فرماه الفارس برمح التوى على غلالته، وعصمه الله تعالى منه، وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه فخر صريعا سريعا، فرأيت القائمين عندما تسنموا الأسوار تساقطوا منها، وبعدما أمسكوا الأبواب تخلوا عنها، وأخذوا على غير طريق، وهوت بهم ريح الهيبة في مكان سحيق، فظننا أن البلد من أقذائه قد صفا، وثوب العصمة علينا قد ضفا، إلى أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من شهر رجب،
4
فعظم الخطب في الأمر الواقع، واتسع الخرق على الراقع، ودخل البلد من جهة واديه، وأصيب حاضره بعادية باديه، بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه، وتراميه على الموت بنفسه، ما لا مزيد عليه، ولا انتهى خلق إليه، فشنت الغارة في البلد، ولم يبق فيه على سبد ولا لبد، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأناملهم، وكشفت وجوه المخدرات العذارى، ورأيت الناس سكارى وما هم بسكارى، ورحل بالمعتمد وآله، بعد استئصال جميع ماله، لم يصحب معه بلغة زاد، ولا بغية مراد، فأمضيت عزيمتي في اتباعه فوصلت إليه بأغمات. ا.ه.
ويوافق الفتح ابن اللبانة على غدر جماعة من أصحاب المعتمد وعلى أن أعداءه فجئوه داخلين من أحد أبواب القصر، فخرج إليهم على غير عدة فهزمهم وأغلق الباب واعتصم بالقصر، ويسمي الباب باب الفرج ويقول: إن الداخلين كانوا من المرابطين.
وهذه طائفة من أسجاع الفتح في هذا الشأن:
وحين اشتد حصاره، وعجز عن المدافعة أنصاره، ودلس عليه ولاته، وكثرت أدواؤه وعلاته، فتح باب الفرج، وقد لفح شواظ الهرج، فدخلت عليه من المرابطين زمرة، واشتعلت من التغلب جمرة، تأجج اضطرامها، وسهل بها إيقاد الفتنة وإضرامها، وعندما سقط الخبر عليه خرج حاسرا من مفاضته، جامحا كالمهر قبل رياضته، فلحق أوائلهم عند الباب المذكور، وقد انتشروا في جنباته، وظهروا على البلد من أكثر جهاته، وسيفه في يده يتلمظ للطلى والهام، ويعد بانفراج ذلك الاستبهام، فرماه أحد الداخلين برمح تخطاه وجاوز مطاه، فبادره بضربة أذهبت نفسه وأغربت شمسه، ولقي ثانيا فضربه وقصمه وخاض حشا ذلك الداء وحسمه، فأجلوا عنه وولوا فرارا منه، فأمر بالباب فسد وبنى منه ما هد.
ثم انصرف وقد أراح نفسه وشفاها وأبعد الله عنه الملامة ونفاها، وفي ذلك يقول عندما خلع، وأودع من المكروه ما أودع:
إن يسلب القوم العدى
ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه
لم تسلم القلب الضلوع
قد رمت يوم نزالهم
ألا تحصنني الدروع
وبرزت ليس سوى القمي
ص من الحشا شيء دفوع
أجلي تأخر لم يكن
بهواي ذلي والخضوع
ما سرت قط إلى القتا
ل وكان من أملي الرجوع
شيم الألى أنا منهم
والأصل تتبعه الفروع
ويؤخذ من كلام الفتح فيما بعد أن المغيرين دخلوا البلد مرة أخرى من الوادي، أي من جهة نهر إشبيلية المسمى الوادي الكبير، وأن المعتمد استبسل في الحرب حتى هزم المغيرين وألجأهم إلى النهر فغرق فيه من غرق، فالبلد دخل من أحد الأبواب فحارب المعتمد حتى رد الداخلين وسد الباب، ثم دخل من الوادي فرد المعتمد أعداءه كذلك، يقول الفتح بعد ذكر الوقعة الثانية: