2
وقبضه باليد وتسلم الحصن.
ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس، فأسلموا له البلاد ولحقوا ببر العدوة، ثم نازل بني صمادح بالمرية، ولها قلعة حصينة فحاصرهم وضيق بهم، ولما علم ابن صمادح الغلب أسف ومات غما، فأخذ القلعة واستولى على المرية وجميع أعمالها.
ثم قصد بطليوس، وكان بها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس - المتقدم ذكره - فحاصره وأخذه واستولى على جميع أعماله وماله.
ولم يبق له إلا المعتمد بن عباد فكتب للسلطان يوسف يعرفه بما فعل ويسأله مرسومه في ابن عباد، فكتب إليه يأمره أن يعرض عليه النقلة لبر العدوة بجميع الأهل والعشيرة، فإن رضي وإلا فحاصره وخذه وأرسل به كسائر أصحابه.
فواجهه وعرفه بما رسم به السلطان يوسف، وسأله الجواب، فلم يجب بنفي ولا إثبات.
ثم إنه نازل إشبيلية وحاصره بها وألح عليه، فأقام الحصار شهرا ودخل البلد قهرا.
ويقول المراكشي في المعجب: إن الفتنة بدأت في شوال سنة 483ه، حين أخذ المرابطون جزيرة طريف دون مقدمة ظاهرة، ثم زحفوا إلى قرطبة فدافع عنها المأمون بن المعتمد إلى أن قتل في صفر سنة 484ه.
وسيأتي أن أخذ إشبيلية كان في رجب سنة 484ه، ويأتي كذلك في أخبار الراضي بن المعتمد أن جيشا توجه إليه وهو في رندة فهزمه وقتله، وكان هذا بعد الاستيلاء على إشبيلية.
لم أجد فيما اطلعت فيه من كتب، تفصيل ما كان بين ابن عباد وابن تاشفين من مراسلة، ثم قطيعة، وعداوة، وحرب.
ويتبين مما نقله صاحب نفح الطيب عن الفتح بن خاقان وابن اللبانة أن المعتمد حوصر في إشبيلية وأن بعض رجال دولته مالوا مع عدوه وكادوا له وخانوه، ولم يفجأ المعتمد بجيوش ابن تاشفين؛ فقد بدءوا قبله بملوك الطوائف وبلغ المعتمد ما جرى عليهم، ثم أخذوا قرطبة وقتلوا ابنه المأمون، ولا نصدق ما سجع به الفتح بن خاقان في قوله:
فأزلته جيوش أمير المسلمين ومحلاته وظاهرته فساطيطه ومظلاته، بعد ما نثرت حصونه وقلاعه ... وهو ساه بروض ونسيم، لاه براح ومحيا وسيم، زاه بفتاة تنادمه، ناه عن هدم أنس هو هادمه.
وقوله:
حتى دخل البلد من واديه، وبدت من المكروه بواديه، وكر عليه الدهر بعواديه، وهو مستمسك بعرى ملذاته، منغمس فيها بذاته، ملقى بين جواريه، مغتر بودائع ملكه وعواريه.
3
لا نصدق أن المعتمد أحدق به الخطر وهو في لعبه ولهوه، فإن عاقلا لا يفعل هذا، فضلا عن المعتمد الهمام الحازم الشجاع بطل موقعة الزلاقة الذي أحس خطر الفرنج فألب عليهم ملوك الأندلس واستنجد المرابطين من المغرب.
لا نصدق أن المعتمد بن عباد أحيط به وهو بين الخمر والنساء، ولا ريب أن الرجل دافع عن ملكه وسع شجاعته وقدرته، حتى ألجئ إلى مدينته ثم إلى قصره، وقد خانه رجاله فسقط في يده، وحسب أنه يستعصم في قصره إلى أن يحتال لأمره فلحقته الخيانة فيه، فخرج معجلا عن درعه يلقى العدو في غلالة.
لم يكن المعتمد كما صورته أسجاع الفتح بن خاقان، بل كان كما قال فيه ابن حمديس:
جاهدت في الرحمن حق جهاده
وجرى الملوك كما أردت فقصروا
فيبيت ناجود وعود حولهم
ويبيت حولك شوذب وسنور
وتفوح غالية بهم وذريرة
وهما دم في بردتيك وعشير
وهذا يذكر بقول أبي الطيب في سيف الدولة وملوك مصر والعراق في عصره:
ما الذي عنده تدار المنايا
كالذي عنده تدار الشمول
وقوله:
ألهى الممالك عن فتح قفلت به
شرب المدامة والأوتار والنغم
وكذلك يقول ابن حمديس في المعتمد:
مقيم بأرض الروع حيث سماؤها
تمور عليه من مثار قساطله
كأن مقام الحرب أشهى ربوعه
إليه، وبيض الهند أدنى قبائله
والمعتمد يقول في أبيات أرسلها إلى ابن حمديس حين زاره في أغمات:
ولو كنت ممن يشرب الخمر كنتها
إذا نزعت نفسي إلى لذة الخمر
فما أحسب المعتمد كان من اللهو والترف بحيث يصفه الفتح بن خاقان.
وروى صاحب نفح الطيب أنه ما جهر بشرب الخمر منذ ولي الملك.