تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول صاحب نفح الطيب: وحكى ابن خلدون أن علماء الأندلس أفتوا ابن تاشفين بجواز خلع المعتمد وغيره من ملوك الطوائف وقتالهم إن امتنعوا.

ويقول الأستاذ بلنثيا:

14

وكان الفقهاء يعتقدون أن سبب اضمحلال البلاد إنما هو انصراف أمراء الطوائف عن الدين وحدوده، فأملوا لهذا أن تصلح الحال إذا استعانوا بالمرابطين، وعارض الأمراء في الاستعانة بهم ما استطاعوا المعارضة؛ إذ إنهم توجسوا شرا من مزاحمتهم لهم على السلطان في الأندلس، ولكن الغالب أن جمهور الناس ألحوا في استقدام المرابطين، وتوجه بالفعل وفد مؤلف من قضاة بطليوس وغرناطة وقرطبة ووزير إشبيلية أبي بكر بن زيدون إلى إفريقية وقابلوا يوسف بن تاشفين واستصرخوه لنجدة الأندلس، فأجابهم إلى ما طلبوه.

وعبر يوسف إلى إسبانيا ثلاث مرات

15

وأخذت تنعقد حوله وهو منصرف إلى الحرب في الأندلس شباك تدبيرين في وقت واحد: الأول دبره ملوك الطوائف للإيقاع به وأذاه. وعقد أطراف الثاني الفقهاء ورموا من ورائه إلى إسلام الأندلس جملة إلى يوسف بن تاشفين، واجتهد الفقهاء في ذلك، وسعوا بأمراء الطوائف وتكلموا مع الأمير في خلعهم، وانتهى الأمر بالاقتناع برأيهم، وعقد النية على استنزال ملوك الطوائف الأندلسيين عن عروشهم؛ إذ تبين عجزهم عن مقاومة النصارى، ووجد أن جمهورا كبيرا يؤيده في هذا العمل، فاستصدر من الفقهاء فتوى بعدم صلاحية ملوك الطوائف للحكم وضرورة عزلهم.

ولم يلبث الأندلس جميعا أن دخل في دولة المرابطين.

أقول: ليس حقا إن ملوك الطوائف دبروا للإيقاع بيوسف أول الأمر؛ فهم استنجدوه واستنصروه وفرحوا بنصرته، وتمنوا أن تدوم المودة بينه وبينهم إلى أن عزم على خلعهم.

| خلع ملوك الطوائف

روى ابن خلكان بعد ذكر موقعة الزلاقة أن ابن تاشفين عاد في العام الثاني إلى الأندلس وخرج إليه المعتمد وحاصر بعض حصون الفرنج فلم يقدر عليه فرحل عنه، وعبر على غرناطة فخرج إليه صاحبها عبد الله بن بلكين فغدر به يوسف ودخل البلد ودخل قصر عبد الله فوجد فيه من الأموال والذخائر ما لا يحصى ولا يعد، وأنه عاد إلى مراكش وفي نيته أن يستولى على الأندلس، وأنه جهز الجيوش وسار إلى سبتة فأرسل قائده سير بن أبي بكر ففعل ما فعل بملوك الطوائف.

وليست الروايات واضحة في عود يوسف إلى الأندلس، ولا يتفق الذين رووا أنه عاد إليها على سنة هذه العودة، وليس هذا الخلاف ذا خطر فيما نحن بصدده من سيرة المعتمد بن عباد.

وفي نفح الطيب أن سير بن أبي بكر قائد المرابطين في الأندلس أرسل إلى السلطان يوسف يخبره بإيثار ملوك الطوائف الدعة واللهو واحتمال المرابطين العناء في جهاد العدو، وسأله رأيه في هؤلاء الملوك، فكتب إليه أن يأمرهم بالنقلة والرحيل إلى أرض العدوة، فمن فعل فذاك، ومن أبى فحاصره وقاتله ولا تنفس عليه، ومما قاله: «ولتبدأ بمن والى الثغور ولا تتعرض للمعتمد بن عباد إلا بعد استيلائك على البلاد، وكل بلد أخذته فول فيه أميرا من عساكرك.»

شرع قائد المرابطين ينزل الملوك من معاقلهم ويخرجهم من ديارهم طوعا أو كرها حتى أدال منهم جميعا، فكتب إلى ابن تاشفين يسأله أمره في ابن عباد فأمره أن يعرض عليه النقلة إلى بر العدوة في أهله وعشيرته، فإن أبى فليقاتله ويأخذه قسرا كما فعل بنظرائه.

وهذا نسق الحوادث كما روى صاحب نفح الطيب:

1

فأول ما ابتدأ به من ملوك الأندلس بنو هود، وكانوا بروطة - وهي قلعة منيعة من عاصمات الذرى، وماؤها ينبع من أعلاها، وفيها من الأقوات والذخائر المختلفات ما لا تفنيه الأزمان - فحاصرهم فلم يقدر عليها، ورحل عنها، وجند أجنادا على هيئة الفرنج وزيهم، وأمرهم أن يقصدوها ويغيروا عليها، وكمن هو وأصحابه بقرب منها.

فلما رآهم أهل القلعة استضعفوهم فنزلوا إليهم، ومعهم صاحب القلعة، فخرج عليه سير المذكور

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأص ١٨