وكلام صاحب الروض المعطار لا يشعر بأن يوسف عاد إلى المغرب ثم عاود الأندلس، بل يوهم أن الحوادث تتابعت منذ وقعة الزلاقة حتى بلغت غايتها.
ويؤخذ من روايات عدة، ومما تقتضيه الأحوال في ذلك الحين؛ أمور أسردها على النسق الآتي: (1)
تطلع ابن تاشفين إلى الأندلس حين اتسع ملكه وعظم سلطانه، ويؤكد هذا ما نقله صاحب نفح الطيب عن الروض المعطار أن ملوك الأندلس سمعوا بتطلع يوسف إلى بلادهم قبل الاستنجاد به، فأرسلوا إليه متوددين قائلين:
أما بعد، فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك، فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة، وإن في استبقائك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك، والسلام.
فأجاب يوسف:
سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، تحية من سالمكم وسلم عليكم، وإنكم مما في أيديكم من الملك في أوسع إباحة، مخصوصون منا بأكرم إيثار وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، والله ولي التوفيق لنا ولكم، والسلام. (2)
وكره ابن تاشفين وجنده ما سمعوا من ترف ملوك الأندلس ولهوهم، وما رأوا من بذخهم حين حلوا ببلادهم:
يقول المقري في نفح الطيب بعد ذكر نزول ابن تاشفين في إشبيلية بعد موقعة الزلاقة وما رآه في المدينة من الأبهة والرفاهية والترف:
وكان مع ابن تاشفين أصحاب له ينبهونه على حسن تلك الحال وتأملها وما هي عليه من النعمة والأتراف، ويغرونه باتخاذ مثلها ويقولون له: إن فائدة الملك قطع العيش فيه بالتنعم واللذة كما هو المعتمد وأصحابه، فأنكر يوسف هذا وقال:
الذي يلوح لي من أمر هذا الرجل - يعني المعتمد - أنه مضيع لما في يده من الملك؛ لأن هذه الأموال الكثيرة التي تصرف في هذه الأحوال لا بد أن يكون لها أرباب لا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل أبدا، فأخذه بالظلم وإخراجه في هذه الترهات من أفحش الاستهتار، ومن كانت همته في هذا الحد من التصرف فيما لا يعدو الأجوفين متى يستجد همة في ضبط بلاده وحفظها وصون رعيته والتوفير لمصالحها.
12
ويقول المقري:
ثم إن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذاته: هل تختلف فتنقص عما هي عليه في بعض الأوقات؟ فقيل له: بل كل زمانه على هذا. فقال: أفكل أصحابه وأنصاره على عدوه، ومنجديه على الملك، ينال حظا من ذلك؟ فقالوا: لا. قال: فكيف ترون رضاهم عنه؟ فقالوا: لا رضا منهم عنه. فأطرق وسكت، وأقام عند المعتمد على تلك الحال أياما.
وفي نفح الطيب:
13
ولما عزم السلطان يوسف بن تاشفين إلى بلاده ترك الأمير سير بن أبي بكر أحد قواده المشاهير، وترك معه جيشا يرسم غزو الفرنج، فاستراح الأمير المذكور أياما قلائل، ودخل بلاد الأذفونش، وأطلق الغارة، ونهب وسبى وفتح الحصون المنيعة والمعاقل الصعبة العويصة، وتوغل في البلاد، وحصل أموالا وذخائر عظيمة، ورتب رجالا وفرسانا في جميع ما أخذه، وأرسل للسلطان يوسف جميع ما حصله، وكتب له يعرفه أن الجيوش بالثغور مقيمة على مكايدة العدو، وملازمة الحرب والقتال، في أضيق العيش وأنكده، وملوك الأندلس في بلادهم وأهليهم في أرغد عيش وأطيبه وسأله مرسومه ...
ويقول المراكشي: إن يوسف أرسل جندا للمرابطة في الثغور وأراد أن يكونوا عدة له حين يعزم على أخذ الأندلس.
هذا الكلام وشبهه إعراب صادق عما تقضي به تلك الأحداث والأحوال، فهؤلاء الصحراويون المسلمون الخلص قد اطبتهم تلك البلاد الخصبة النضرة وأسخطتهم عيشة المترفين من أهل الأندلس، وافتراق كلمتهم، والقوارع تنتابهم والعدو بين الحين والحين يجوس خلال ديارهم، ويأخذ ما يشاء من نسلهم وحرثهم. •••
لهذا عزم ابن تاشفين على خلع ملوك الطوائف وتدبير أمر الأندلس وأراد أن يستوثق من حكم الشرع فيما هم به، فاستفتى العلماء فأفتوه بجواز خلع هؤلاء الملوك المترفين؛ جمعا لكلمة المسلمين، وتقوية لهم على الجهاد.