نظم الشعر
وكان إقبال في هذه المرحلة من عمره ينظم الشعر، ويزداد على مر الأيام إحسانا فيه. وكان يرسل بين الحين والحين شعره إلى الشاعر داغ أحد شعراء الأردية النابهين. ونظر الشاعر الكبير في قصائد الشاعر الشادي، ثم كتب إليه أن لا ترسل إلي شعرك فما يحتاج إلى تنقيح.
وعاش داغ حتى ذاع صيت إقبال وبلغ في الشعر ما بلغ؛ فكان يفخر بأنه نقح شعر إقبال في صباه.
وفرغ إقبال من الدرس في الكلية الأسكوتية سنة 1895، وسنه زهاء اثنتين وعشرين سنة.
الفصل الثالث
| في لاهور إلى سنة 1905
انتقل الشاب الذكي الطلعة الشاعر الذي فاق أترابه في المدارس، انتقل إلى لاهور حاضرة ولاية بنجاب وإحدى مدن الهند الكبرى. وهي أول مدينة في الهند اتخذتها دولة إسلامية دار ملك. صارت عاصمة الدولة الغزنوية حينما غلبت على أفغانستان فلم يبق لها إلا ما فتحته من أرض الهند. وبقيت هذه المدينة الكبيرة في مقدمة مدن الهند حضارة وعلما وفنا.
وكانت حين قصد إليها إقبال قبل نصف قرن، مباءة علم وأدب، تعمل مجامعها في نشر الأدب الأردي وإحلاله محل الأدب الفارسي. وتألفت فيها مجامع أدبية تدعو بين الحين والحين إلى محافل ينشد فيها الشعراء عيون أشعارها، ويسمى هذا مشاعرة، والمشاعرة سنة شائعة في باكستان والهند حتى اليوم. •••
دخل إقبال كلية الحكومة في هذه المدينة؛ ليتم تعلمه وجد في الدرس كدأبه. وكان موضع الإعجاب في ذكائه وعلمه وأدبه.
ومما يؤثر عنه في ذلك الحين - وهي أثارة ذات دلالة بليغة - أنه أخذ على أحد علماء الدين كذبا فبلغ من نفسه هذا المنكر. فلبث أياما مكتئبا حتى سأله أستاذه توماس آرنلد فقص عليه القصة. فقال الأستاذ: سترى كثيرا من هذا في حياتك.
استمر إقبال في دراسته حتى نال الدرجة التي تسمى في نظام التعليم الإنكليزي
B. A.
وجلى في امتحان العربية والإنكليزية، ونال جوائز التفوق وذلكم سنة 1897م.
ثم تابع الدراسة إلى درجة
M. A. «أستاذ في الفن» في الفلسفة حتى أتم دراسته مجليا نائلا جائزة أخرى من الكلية.
وتلمذ إقبال في هذه الكلية لأستاذ الفلسفة الإسلامية السير توماس آرنلد.
توماس آرنلد
ويحبب إلي أن أسجل ذكرا عن هذا الأستاذ الجليل وفاء بحقه على إقبال وعلى المسلمين كافة:
كان أستاذ العربية في جامعة لندن، ثم أستاذ الفلسفة في جامعة عليكره فكلية الحكومة في لاهور.
وكان واسع العلم ثبتا متواضعا منصفا نصيرا للمسلمين محبا للحضارة الإسلامية.
وقد ألف كتابه «دعوة الإسلام»
1
ليبين أن الإسلام انتشر بالدعوة لا بالقوة، ففصل تاريخ انتشار الإسلام ولا سيما في الجهات التي لم يكن للمسلمين فيها سلطان. وقد أخبرني أنه تعلم اللغة الهولندية؛ ليقرأ السجلات التي تبين انتشار الإسلام في جزيرة جاوه وما يتصل بها. وكتابه هذا وحيد في بابه لم يؤلف مثله مسلم ولا غير مسلم.
ولما ألغى مصطفى كمال الخلافة كتب كتابه «الخلافة»، وهو شاهد بسعة علمه ونفاذ فكره.
وقد عرفته في لندن في مدرسة اللغات الشرقية، فأنست به وأحببته وجرأني على صحبته لين جانبه ودماثة خلقه.
وكنت أسأله عما يشكل علي وأنا أكتب رسالتي في «التصوف وفريد الدين العطار».
وقد عرفت فيه التواضع والتثبت، فكان يحب أن يقول: لا أدري، إن لم يكن على بينة مما يسأل عنه. وكان كثيرا ما يسألني حين أحدثه في أمر: أأنت على يقين من هذا؟
وكان يحب العادات الإسلامية ويميل إلى أزيائنا وسنننا. أذكر أني تعشيت معه في داره، فبدأ الطعام قائلا: بسم الله، وودعني حين الانصراف قائلا: في أمان الله.
وجاء إلى مصر بدعوة من جامعة القاهرة، وآثر النزول في حلوان، وهي دار إقامتي، ثم انتقل إلى المعادي. وكنت أقابله بين الحين والحين، وكان يزورني في ليالي رمضان؛ التماسا لسماع القرآن.
وذهبت إليه مرة في الفندق الذي نزل به في حلوان، فأخرج من حقيبته عمامة وطربوشا، وقال: أرني كيف تكور العمامة، ثم قال: أرني أوثر العمامة والجبة وأشعر حين ألبسهما أني في زي أستاذ كما أشعر أني صبي حين ألبس هذه الملابس. وأشار إلى الملابس الإفرنجية التي كان يلبسها.