وأذكر أنا اجتمعنا على مائدة في دارنا ومعنا الكبتن كننج الإنكليزي، وكان هذا معنيا بالبلاد العربية. وقد سعى في تأييد الأمير عبد الكريم حينما حارب الإسبان في الريف، فقال لي كننج: قرأت التاريخ فأنبئني أي الفريقين كان أكثر سماحة وسجاحة المسلمون أم النصارى؟ قلت: يجيب هذا السؤال أستاذنا توماس آرنولد. فقال الأستاذ فورا: لا ريب أن المسلمين كانوا أكثر تسامحا من النصارى.
وقال لي يوما وقد ذكرنا إقبالا: إنه تلميذي. قلت: هو إذا شاب. قال: أتحسبه شابا بأنه كان تلميذي. أنت لا تدري كم سني.
هذه ذكر لا تعرف بالسير توماس آرنولد، ولكني أذكرها اعتزازا بها، وحبا لذكر هذا الأستاذ الكريم أستاذ إقبال، ولعل أحد الكاتبين عنه يجد فيها فائدة.
هذا الأستاذ عرف إقبالا وقدر مواهبه، فقربه وحرضه على الاستزادة من العلم، وتوكدت بينهما صداقة، صداقة التلميذ المتطلع البار والأستاذ العالم المخلص.
فلما فارق آرنولد لاهور راجعا إلى وطنه نظم تلميذه الوفي قصيدة عنوانها: «نواح الفراق»، أعرب فيها عن حبه أستاذه وإكباره إياه وتحسره لفراقه.
بعد إتمام الدراسة
فرغ إقبال من تحصيل العلم في الكلية، فاختير لتدريس التاريخ والفلسفة في الكلية الشرقية في لاهور.
2
ثم نصب لتدريس الفلسفة واللغة الإنكليزية بكلية الحكومة التي تخرج فيها.
وقد نال إعجاب تلاميذه وزملائه بسعة علمه وحسن خلقه، وسداد رأيه، واتجهت الأبصار إليه، وذاع ذكره حتى صار من أساتذة لاهور النابهين.
وفي ذلك الحين دخل في خدمته خادمه الوفي علي بخش، وأستأذن القارئ في التعريج على علي بخش، خادم إقبال الأمين الذي صحبه طول حياته، وصحب أولاده بعد مماته. وملازمة هذا الرجل إقبالا منذ دخل في خدمته حتى فرق بينهما الموت، يدل على لين إقبال ويسر معاملته. روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «خدمت النبي
صلى الله عليه وسلم
عشر سنين، فما قال لي في شيء فعلته: لم فعلته؟ ولا في شيء تركته: لم تركته؟»
3
وقد حدثني بعض من صحبوا إقبالا أو زاروه أنه كان يجلس في داره فيدخل عليه من يشاء فيسأله عما يشاء، وعلي بخش قريب منه يلبي دعوته ويقضي ما يأمره به ويحرص على أن يمد أرجيلته بالنار كلما خبت. وكان الشاعر مولعا بها لا يكاد يفتر عنها في مجلسه.
واقترن ذكر علي بخش بكثير من سيرة إقبال. وقد حرصت على أن أراه في دار إقبال حينما ذهبت إلى لاهور فلقيته، وأخذت صورتي معه في ربيع السنة الماضية. وراسلته بعد من كراجي.
في محافل الأدب في لاهور
لبث الشاعر النابغ في لاهور عشر سنين، منذ قدم إليها من سيالكوت، إلى أن سافر إلى أوروبا.
أتم دراسته في كلية الحكومة، ثم درس في الكلية الإسلامية فالكلية التي تخرج فيها. فعرفت مدارس لاهور ومجامع الأدب فيها شابا وسيما قويا يتقد ذكاء وشوقا إلى المعرفة، ويتطلع إلى التزود من العلم إلى غير نهاية.
وقد دوى صوت إقبال في محافل الأدب ينشد قصائده. وحرصت الصحف على نشر شعره. وأيقن الشعراء والعلماء أن لهذا الشاب شأنا، ولكن لم يحزروا الشأو البعيد الذي يبلغه الشاعر؛ إذ كان شأوا لا يدركه إلا إقبالا وقليل من أمثاله في تاريخ البشر.
وأول قصائده الرنانة التي ألقيت في جمع حاشد قصيدته التي أنشدها في الحفل السنوي لجماعة حماية الإسلام في لاهور «أنجمن حماية إسلام» سنة 1899 وعنوانها أنين يتيم «ناله يتيمي»، وفي السنة التالية أنشد في حفل هذه الجماعة قصيدة يخاطب فيها يتيم هلال العيد.
ومن القصائد التي نبهت الناس إليه قصيدة همالا، التي أنشدها في أحد المحافل الأدبية. وقد سأله كثير من أصحاب الصحف أن ينشروها فأبى، ثم أذن بنشرها في صحيفة المخزن سنة 1901 ثم نشرت قصائده في صحف أخرى من بعد.
وكذلك أنشأ إقبال في ذلك الحين قصائد تعرض فيها للسياسة.