تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

مولد إقبال

في هذا البيت الطاهر ولد وليد سمته أمه محمد إقبال. ويروى أن والده رأى قبل مولده حمامة بيضاء ناصعة تطير فتقع في حجره وتسكن إليه، وعبرت الرؤيا أنه سيرزق ابنا عظيم الجد والإقبال يعلو على الناس.

ولد محمد إقبال في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة 1289ه / 22 شباط سنة 1873م. ولم يأبه أحد بمولد هذا الطفل إلا كما تأبه أسرة فقيرة بمولد ابن فيها.

ولكن الله تعالى كان يعلم يوم مولد إقبال أن قد ولد في هذا البيت الصغير من مدينة سيالكوت رجل يعلو فكره وقلبه على حدود الأوطان والأزمان، أن قد ولد فيلسوف نابغ وشاعر مبدع من الذين يهبهم الله البشر في العصر بعد العصر؛ ليخلقوا ويجددوا ويهدوا على هذه الأرض.

إن لهذا الطفل الوليد لأثرا باقيا في تاريخ أمته وتاريخ المسلمين وتاريخ البشر أجمعين.

الفصل الثاني

| في سيالكوت

من الميلاد إلى سن اثنتين وعشرين

بدأ إقبال التعليم في طفولته على أبيه، ثم أدخل مكتبا ليتعلم القرآن. ولا ندري كم حفظ إقبال من كتاب الله في طفولته. ولا ريب أنه حفظ كثيرا منه في هذه السن وبعدها؛ إذ كان في كبره يعلم القرآن. وكثرة اقتباسه من القرآن في شعره تدل على أن القرآن كان في قلبه ولسانه. ثم أدخل الصبي مدرسة البعثة الأسكوتية

1

في سيالكوت. ويقال إن أباه أدخله هذه المدرسة؛ ليكون في رعاية صديقه مير حسن. وكان أستاذا أديبا متضلعا في الأدب الفارسي عارفا بالعربية.

وقد امتاز إقبال بذكائه وجده، ففاق أترابه، ونال جوائز كثيرة.

ومن نوادره أنه وهو في سن العاشرة، جاء إلى المدرسة متأخرا فسئل عن تأخره فقال: الإقبال يأتي متأخرا.

وحينما كان في السنة الرابعة - في نظام التعليم في هذه المدرسة وليست بعيدة من الرابعة في التعليم الابتدائي عندنا - أخذه والده إلى صديقه مير حسن وقال: أريد أن تعلمه الدين بدل ما يتعلمه في المدرسة. فأجاب الأستاذ مبتسما: هذا الصبي ليس لتعليم المساجد وسيبقى في المدرسة.

ولبث إقبال من ذلك الحين إلى أن أتم الدراسة في كلية البعثة الأسكوتية في رعاية مير حسن وتأديبه.

ورأى الأستاذ من ذكائه ومخايله، بل من قوله وفعله، ما زاده إعجابا به وتأميلا فيه؛ فعني بتلقينه الدين والعربية والفارسية.

ولما رآه ينظم الشعر وعرف موهبته فيه، أرشده وحرضه وحسن له أن ينظم باللغة الأردية مكان البنجابية.

مير حسن

يقترن ذكر مير حسن بسيرة إقبال، ويشاد بأثر هذا الأستاذ في تأديب تلميذه. فيحسن أن نعرف به بعض التعريف:

2

هو من المنتسبين إلى آل البيت، وكان أستاذ اللغة العربية في كلية سيالكوت، وكان متضلعا في الأدب الفارسي. وكان علما من أعلام البلد، يعرفه الصغير والكبير، مهيبا مبجلا. وكان ضعيف البصر يمشي الهوينى متوكئا على عصا طويلة. ويسير من داره إلى الكلية مسافة ميلين في ساعة، وكان لا يتأخر عن موعده دقيقة.

وقد اقترح عليه عميد الكلية أن يركب عربة على أن تؤدي له الكلية أجرتها. فقال له: أتريد أن أفقد في العربات ما بقي لي من قوة؟! وكان مضرب المثل في ضبط الوقت والتزام المواقيت. واتفق أن تأخر مرة عن اجتماع في الكلية دقيقتين؛ فكان هذا حديثا عجيبا بين زملائه. ومن لطائفه أن عميد الكلية قال له حينما جاء متأخرا:

لقد لبثنا دقيقتين ننتظرك. فأجاب فورا: لا بأس لقد انتظرتك سنين حتى جئت إلى هذا العالم. وكان العميد أصغر منه سنا.

وقد بلغ من هيبته أن الأساتذة والطلبة كانوا إذا رأوه قادما خلوا له الطريق أو أفسحوا له. وكان الطلبة الذين يقرءون عليه العربية يجدون منه شدة وتقريعا أول الأمر، فإذا جاوز المرحلة الأولى أفادوا كثيرا من غزارة علمه.

ولم يكن الشيخ، على هذا، غليظا جافا بل كان ظريفا فكها في مواضع الظرف والتفكه.

وقد وفى إقبال لأستاذه فأشاد بذكره في شعره. ولما عرض على إقبال لقب «سير» كما ترى فيما يأتي، اشترط أن يمنح أستاذه لقب شمس العلماء؛ فأجيب إلى ما اشترط.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٨