كل حين جديد شان وآن
لست تدري بسره فتراه
قارئا وهو صورة القرآن
فيه عزم على القضاء دليل
وهو في العالمين كالميزان
ليله والنهار لحن حياة
في انسجام كسورة الرحمن»
الإنسان في هذا العالم مدرك مفكر حر. والخلائق مسخرة مجبرة، يعلي إقبال قدر الإنسان، ويبين فداحة الأعباء التي يتحملها، ويمده من القوة والأمل والعزم بما يؤهله لحمل هذه الأعباء الجسام.
انظر إلى قصيدته التي عنوانها «وحدة» في ديوان رسالة المشرق؛ لترى الإنسان يأتي إلى البحار مسائلا، وإلى الجبال، ويرتقي إلى البدر، ثم ينتهي إلى الله، يسأل أهو وحده صاحب القلب في هذه الخليقة يحمل الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال؟
فلا يرد البحر والجبل والقمر أسئلته، ولا يجيبه الله تعالى إلا بالابتسام. ولعله ابتسام الإعجاب بهذا المخلوق الكبير.
وستأتي القصيدة في التمثيل لشعر إقبال. •••
هذه أصول فلسفة إقبال، وعمدة آرائه، فالإنسان ذاته وقوته وقدرته وحريته وجهاده، والجماعة التي تتألف من هذا الإنسان، خصائصها ومزاياها، ومسيرها وغايتها، وقوتها التي لا تحد، وعزمها الذي لا يبعد عليه أمد، كل هؤلاء موضوع شعر إقبال. صوره فأحسن تصويره، وبثه في أفكار شتى وصور مختلفة، جهد الفكر الفياض، والقلب الجياش، والشعر المتدفق، والبيان الساحر. •••
والعرب الأولون الذين انتشروا بالإسلام في أقطار الأرض يدعون إلى توحيد الله وتوحيد الأمم، لا تصد عزمهم الصعاب والأهوال، ولا تفرق همتهم بين دان وقاص، ولا يبالون الموت في سبيل الحق - هؤلاء العرب هم مثل إقبال في هذه الحياة، وتصديق فلسفته فيها.
ذكرهم في شعره تصريحا وتلميحا، ووفاهم حقهم من الإعجاب، وأبان عن نواحي العظمة في مآثرهم، وأبان عن حبه وإعجابه وإعظامه في وصف آثارهم كما في القصيدة الخالدة التي وصف فيها مسجد قرطبة.
ضروب هذا الشعر
لهذا الشعر الفياض الذي يسع السموات والأرض، ويعلو إلى ما وراءها، طرائق مختلفة في سياق الموضوع، وفي أشكال المنظومات والأوزان والقوافي. (أ)
فيه القصص: وأعظم قصصه «جاويد نامه»، التي قص فيها رحلته في الأفلاك، كما ذكرت في الفصل الأول من هذا الباب. وقصص أخرى قصيرة متفرقة في دواوينه، مثل: «مجلس شورى إبليس» في ديوان أرمغان حجاز، و«لينين في حضرة الخالق» في ديوان بال جبريل، و«خروج آدم من الجنة» في الديوان نفسه.
والقصص في شعر إقبال كالقصص في شعر جلال الدين الرومي، يتوسل به إلى تبيين مقاصد الشعر، لا يعنى فيه الشاعر بأكثر من الحوار بين من يتكلم على ألسنتهم من أناسي القصة. (ب)
ومن شعر إقبال: الشعر التعليمي، يقصد فيه إلى تعليم فلسفته ومذهبه في نظام شعري تمتزج فيه الفلسفة والشعر. وأبين هذا الشعر المنظومتان اللتان عبرتهما عبرا في الكلام على فلسفة إقبال. ومثلهما منظومات قصيرة في دواوينه الأخرى، منها وصاياه إلى ابنه جاويد، وناشئة هذا الجيل. (ج)
والوصف في شعر هذا الشاعر العظيم كثير، فيه وصف الطبيعة ووصف الأبنية، كما وصف جامع قرطبة وتاج محل. والوصف المعنوي يغلب فيه على الوصف الحسي، يشرع في وصف الصورة الحسية فتنفتح له عن معان عالية من الفلسفة والشعر يفيض فيها. لا تشغل الصور الحسية هذا الشاعر الروحي كثيرا، فإنما تثير في نفسه معاني ينطلق فيها، وإنما هي باب يجوزه إلى عالم غير محدود. (د)
وفي شعر إقبال ضروب الشعر الأخرى التي تسمى في اصطلاح الأدباء الشعر الغنائي أو الوجداني. وهي فنون شتى في معانيها، ومنها الضرب الذي كلف به شعراء الفرس ومن تبعهم وسموه غزلا. والغزل أبيات قليلة، بين سبعة واثني عشر في الغالب، ينظم فيها الشاعر خواطر يجمعها موضوع أو لا يجمعها. وهذه الفنون موصولة في معانيها بالأقسام الأخرى التي ذكرتها آنفا؛ وإن فرق بينها هذا التقسيم الصوري. ومن ذا الذي يستطيع تقسيم أمواج البحر بخطوط وحدود.