تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأوزان والقوافي

وأما أوزان شعره فهي الأوزان الفارسية كلها، هي أوزان أخذها شعراء الفرس عن الأوزان العربية. وتصرفوا فيها وزادوا عليها. وليس هذا موضع الكلام في أوزان الشعر الفارسي واتصالها بالأوزان العربية وسير شعراء التركية والأردية عليها، واحتذائهم إياها.

والقوافي هي القوافي الفارسية كذلك. ويكثر فيها الردف: وهو أن تكرر كلمة في آخر كل بيت وتلغي في التقفية، ويلتزم روي قبلها. وقد قدمت أمثلة منها في بعض ما ترجمت من شعر إقبال.

وأما أنواع القوافي ففيها الرباعيات، وهي كثيرة في دواوين الشاعر.

ومنها الموشحات على النظام المعروف في الشعر العربي. والشاعر يفتن في القوافي الموشحة، ويصرف الوزن معها بالطول والقصر. وسيجد القارئ مثالا منها من بعد.

ومن شعر إقبال المثنويات، وهي منظومات على القافية المزدوجة، وعلى هذه القافية نظم دواوين الأسرار والرموز وجاويد نامه، وكذلك نظم فيها كثيرا من منظوماته في الدواوين الأخرى.

ومن منظومات إقبال ضروب أخرى على التقفية المعروفة في القصائد العربية.

هذه نظرة عاجلة في ضروب شعر إقبال من حيث السياق والوزن والقافية.

ولم أرد فيها التفصيل؛ لأني أكتب للقارئ العربي، وليس أمامه شعر الشاعر في لغته، فأطيل له البيان في ضروب الشعر موضوعه وأشكاله وأوزانه وقوافيه.

اللغة والأسلوب

وهذا موضوع لا يعني القارئ العربي كثيرا. فهو لا يقرأ شعر إقبال في لغتيه الأردية والفارسية، ولكن يقرأ ترجمة عربية لبعض دواوينه، والترجمة إن حفظت المعنى والصورة لا تحفظ اللغة والأسلوب.

وحسبي في التعريف بلغة إقبال وعبارته وأسلوبه هذه الكلمات: كتب إقبال باللغتين الأردية والفارسية. ولغته الأولى البنجابية ليست لغة علم وأدب، والمكتوب فيها قليل من أدب العامة. فاللغة الأردية هي لغته ولغة الأدباء والمتأدبين من مسلمي الهند.

ولغته وأسلوبه فيما أنشأ بالأردية، يبلغان في الأصالة والصحة والقوة ما بلغه أكبر شعراء الأردية منذ نشأ الشعر في هذه اللغة إلى أن نبغ إقبال.

والحكم في لغة الشعر وعبارته وأسلوبه يرد إلى ذوق أهل اللغة. ولا يعتد فيه برأي دارسي اللغة من غير أهلها، وإن بلغوا الغاية في علمها وفقهها ، ودربوا على أساليبها في شعرها ونثرها. وأدباء الأردية يرون أن شعر إقبال في جملته يبلغ الذروة من هذه اللغة. ويسامي شعر أعظم شعرائها، ثم يفوتهم بمعانيه التي لا تحد وفلسفته التي استولى فيها على الأمد. •••

وأما منظومات إقبال الفارسية، فقد أخذ عليها أدباء الفرس مآخذ أجملها، ثم أذكر رأيي فيها: عرفت اللغة الفارسية في الهند منذ فتح السلطان محمود الغزنوي شمالي الهند في القرن الرابع الهجري، وبلغت مكانة علية أيام المغول، فكانت لغة الدولة ولغة العلم والأدب. وقد اجتمع حول جلال الدين أكبر أحد ملوكهم زهاء خمسين شاعرا كلهم ينظم بالفارسية، منهم من نبغ في الهند ومنهم من وفد إليها من إيران.

وقد ضعف أمرها بعد اضمحلال الدولة المغولية، ولكنها بقيت حتى عصرنا يعرفها المثقفون، وينظم بها بعض الشعراء، ويكتب بها بعض الكتاب. وأعظم من نظم فيها في هذا العصر محمد إقبال.

وقد أنشأ فيها ستة من دواوينه التسعة، كما بينت قبل.

وأخذ بعض أدباء الفرس على الشاعر النابغ هذه المآخذ: (أ)

أخذ عليه أن لغته وأسلوبه ليسا مطابقين للغة الشعر الفارسي العصري وأسلوبه. (ب)

وأنه يستعمل أحيانا عبارات تخالف الفصيح المأنوس في الفارسية. (ج)

وأن له تراكيب لم تؤثر في الأدب الفارسي من قبل.

وقد أجاب المعترضين ملك الشعراء بهار - رحمه الله - أحد شعراء الفرس، ومجتبي المينوي الذي ألف كتابا عن الشاعر اسمه «إقبال اللاهوري»، وقد عدد المؤلف في هذا الكتاب ما أخذ على إقبال وأجاب عليه.

ويبدو أن لهذا الاعتراض سببين؛ الأول: أن إقبالا لم ينشأ في بيئة فارسية. فالفارسية ليست لغته، ولكن اكتسبها بالدرس، وطول النظر في دواوين شعرائها. فاستوى عنده ما استعمله شعراء الفرس القدماء وما استعمله المعاصرون منهم. فرأى بعض النقاد في بعض شعره مخالفة للغة العصر وأسلوبه.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٥٧