وحبيت السر من عين الحياة
2
أشعل الذرات من لحني التهاب
فهي نور طائر يدعى الحباب
3
ما فشا ذا السر غيري في البشر
لم يثقب ناظم مثل الدرر
أقبلن إن تبغ عيش الخالدين
أقبلن إن تبغ ملك العالمين
ويكثر إقبال في شعره أنه عالم بالسر، وأنه كشفت له أسرار الحياة.
ولا ريب أنه شاعر ملهم، شعر في قرارة نفسه أنه أدرك من أسرار الحياة ما لم يدرك غيره، وأنه يبلغ هذا العالم رسالة يؤمن بها اليوم أو غدا، وأنه شاعر الغد وصوت المستقبل.
وكثيرا ما يقول: إن في نفسه معاني لا تعيها الكلمات، وفي قلبه أسرار ليس لها نجي. وقد سأل الله أن يهبه نجيا يعي عنه أو يسلب قلبه النار التي تضطرم فيه.
وفي رسالة المشرق هذه الأبيات بعنوان «الوردة الأولى»:
وردة ظهرت في الروضة قبل غيرها، فهي تنظر فلا تجد إلا نفسها، فتلتمس نجيا في صورتها التي يمثلها الماء. وتقول الوردة إن على صفحاتها رسالة خطها القلم الذي صور هذه الحياة، وإن قلبها في الماضي، وعينها إلى اليوم، وأملها في الغد. فهي صلة الأزمنة الثلاثة.
وإليك الأبيات:
لا أرى في الرياض لي من قريع
أنا أولى زهور هذا الربيع
أبتغي في الغدير صورة نفسي
لأرى وجه مؤنس لي سميع
في سطوري رسالة من يراع
خط سطر الحياة في ترصيع
أمس قلبي، وعبرة اليوم عيني
وغدي منيتي وكل بديع
وأنا النجم خلفته الثريا
نسج الطين ثوب ورد عليا
هكذا تحدث إقبال عن نفسه، فهل وفى شعر إقبال بهذه الدعوى؟ هل حقق هذا الأمل؟
لا ريب أن إقبالا أمد الإنسان عقله وقلبه ويده، بزاد من الفكر والعشق والأمل والعمل، أفاضه شعرا مختلفة طرائقه رائعة صوره في تسعة دواوين.
موضوع شعر إقبال
موضوع شعره الحياة والعالم، يبين فيهما الحقائق، ويكشف الأسرار، ويوقظ الإنسان ويدعوه إلى قدر نفسه، وتقوية ذاته، ويناديه أنك أعلى الخليقة وأن العالم كله مسخر لك. وأمامه في هذه الدعوة القرآن الكريم كما في الآية:
ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا .
والآية:
وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه .
وآيات أخرى كثيرة.
يقول مخاطبا الإنسان:
ولك الوقت والتصرف فيه
ليس يا غر! للنجوم غناء •••
أين منك الأفلاك؟ إنك حر
وهي قهر ذهابها والإياب
والجهاد في هذا العالم لتذليل الطبيعة وتسخيرها هو قوة الذات ورقيها. والإنسان الحر أو المؤمن يسخر هذه الكائنات حتى لا تكون أمامه شيئا. والإنسان العبد، أو غير المؤمن يضل في الكائنات ويذل لها. ففرق ما بين المؤمن والكافر في رأي إقبال أن المؤمن يسخر هذا العالم ويقتحم عقباته إلى مقاصده العليا، لا يحار في الكائنات ولا يضل، ولا يعيا بتسخيرها ولا يذل.
إنما الكافر حيران
له الآفاق تيه
وأرى المؤمن كونا
تاهت الآفاق فيه
وفرق آخر أن المؤمن أو الحر خلاق مبتكر دائم الأمل والعمل. والكافر أو العبد عاجز لا يبتكر ولا يجدد.
يقول في أسرار خودي:
فكرة العبد حصول الحاصل
ليس في أفكاره من طائل
في مقام من همود راكد
نوحه ليلا وصبحا واحد
ومن الحر جديد الخلقة
كل حين وجديد النغمة
وفرق آخر أن العبد يعتل بالقضاء والقدر، ويرتبك في خيوط الزمان أو ينسج شبكة الزمان على نفسه، والحر مشير على القضاء والقدر وناسج نفسه على الزمان.
نكتة كالدر خذها رائقه
بين حر ورقيق فارقه
4
حار عبد في فيافي الزمن
حير الآفاق قلب المؤمن
ينسج العبد عليه كفنا
من صباح ومساء، مذعنا
وترى الحر على التراب اعتلى
ناسجا همته فوق الملا
قيد العبد صباح ومساء
وثوى في فمه لفظ «القضاء»
لكن الحر مشير للقدر
صورت كفاه أحداث الدهر
ويرى إقبال أن المؤمن معيار الخير والشر في الدنيا والآخرة، وأنه يبلغ من المكانة أن يسأله ربه ماذا يرضيك؟
يقول في ضرب الكليم في الأبيات التي أولها: «إن للمؤمن العظيم الشان