وهذه ترجمة أبيات من هذا الفصل فيها وفاء ببيان مذهب الشاعر الفيلسوف محمد إقبال في الشعر والشعراء:
جلوة الحسن ضمير الشاعر
طوره مجلى الجمال الباهر
مدت الحسن بحسن نظرته
زادت الفطرة سحرا رقيته
علم البلبل من تلحينه
ضاء خد الورد من تلوينه
مضمر في خلقه بحر وبر
ألف كون محدث فيه استتر
كم شقيق عنده لم يطلع
كم لحون، وبكى لم يسمع
فكره للبدر والنجم نجي
يخلق الحسن وفي القبح عيي
خضر، في ليله ماء الحياة
تنضر الأكوان من ماء بكاه
لطفت في سيرنا حيلته
وعلت في ركبنا نغمته
فمضى الركبان أثر الجرس
وحدا الناي بنا في الغلس
3
وسرت في روضنا نسمته
فسرت في زهرها نفحته
هذا الشاعر الحي الذي يبعث في الأمة الحياة. وشاعر آخر هو حادي الهلاك، ونذير الموت:
ويل قوم لهلاك طائره
صد عن نهج المعالي شاعره
تقبح الأشكال في مرآته
تقرح الأكباد من نفثاته
تذبل الأزهار منه قبل
ويعاف الشدو منه البلبل
يسلب السرو جميل الميل
ويرد الصقر مثل الحجل
4
هو حوت نصفه كالآدمي
كبنات البحر يقتاد الغوي
يسحر الركبان باللحن المبين
ولقاع البحر يهوي بالسفين
5
يسلب القلب ثباتا نغمه
ويرى الموت حياة كلمه
يلبس النفع ثياب الضرر
ويري الخير قبيح المنظر
سيل برق ما حوى نيسانه
آل لون وشذى بستانه
6
سادر بالحق لا يعترف
بحره ما فيه إلا الصدف
نومت ألحانه يقظنا
أطفأت أنفاسه وقدتنا
إلى أن يقول:
لاح كالناي هزيلا صائحا
شاكي الأقدار جهلا نائحا
إلخ.
ثم يقول بعد وصف الشاعر الفسل الخائر اليائس، مبينا الطريقة المثلى في الشعر:
صيرفي القول! إن تبغ النجاة
فاجعلن معياره نار الحياة
نير الفكر يقود العملا
مثل برق قبل رعد جلجلا
من بفكر صالح في الأدب!
ارجعن يا صاح شطر العرب
وسليمى العرب يا صاح اعشق
أطلعن صبح الحجاز المشرق
من رياض العجم جمعت الزهر
وبروض الهند سرحت البصر
فاشربن حر الصحاري يا صديق
اشربن من تمرها الراح العتيق
أسلمن رأسك يوما صدرها
وائلفن في حرها صرصرها
كم وطئت الورد في طول المدى
غاسلا كالورد خدا بالندى
فعلى رمل الصحارى المضرم
أقدمن يوما وغص في زمزم
صاح فيم النوح مثل البلبل؟
وإلام العيش بين الظلل؟
ابن عشا حيث لا تبني الأنوق
تلتقى فيه رعود وبروق
لترى أهلا لأعصار الحياة
وتذيب النفس في نار الحياة
وفي فاتحة أسرار خودي يصف نفسه ويقول إنه جديد غريب في هذا العالم، إلى أن يقول واصفا مذهبه في الإعراب عما في النفس في صراحة وجرأة وقدرة. وهو في الحق يصف المثل الأعلى للشاعر كما يتصوره:
أنا في يأس من الصحب القديم
مشعل طوري ليغشاه كليم
بحر صحبي قطرة لا تزخر
قطرتي كاليم فيه صرصر
من وجود غير هذا لي غناء
ولركب غير هذا لي حداء
كم تجلى شاعر بعد الحمام
يوقظ الأعين فينا وينام
وجهه من ظلمة الموت سفر
ونما من قبره مثل الزهر
7
كم بهذا السهب مرت قافله
مثل سير النوق رهوا سابله
غير أني عاشق ديني النواح
ثورة المحشر مني في الصياح
أنا لحن كل عنه الوتر
لا أبالي أن عودي يكسر
ويقول في رسالة المشرق، وهو إعراب عن مذهبه في الشعر والشاعر:
تغنى طائر سحرا طويلا
فأبدع شدوه لحنا وقيلا
أبن عما بصدرك لا تدعه
غناء أو أنينا أو عويلا
ويقول:
أنا في الروض منفرد غريب
على غصني أنوح مع الرياح
فدعني يا رقيق القلب وابعد
فإن دمي ليقطر في نواحي
هذا مذهب إقبال في الشعر، ألفته من أبيات في دواوينه وكلمات مأثورة عنه. وهي جملة وراءها تفصيل، وعنوان يتلوه إن شاء الله بيان وفير.
الفصل الرابع
| شعر إقبال
معانيه وصوره وأساليبه
وصف إقبال نفسه
يقول الشاعر الملهم في فاتحة ديوان أسرار خودي:
من وجود غير هذا لي غناء
ولركب غير هذا لي حداء
1
أنا لحن كل عنه الوتر
لا أبالي أن عودي يكسر
لا تعي لجي هذي الأنهر
لا تعي موجي إلا أبحر
كم بروق نائمات في الجنان
ضاقت البيد لديها والقنان
إن تكن صحراء فاطلب لجتي
أو تكن سيناء فاقبس شعلتي
قد وهبت الورد من عين الحياة