ما الحسن إلا بالجلال يحاك (ج) ويقول إقبال في مقدمة ديوان غالب:
لعل إيحاء واحدا من نفس مسفة، تستطيع إغواء الناس بغنائها أو تصويرها، شر على الأمة من جيش لآتيله أو جنكيز.
كما قال نبي الإسلام في امرئ القيس أعظم شعراء الجاهلية: «أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار.»
وهو ينعي نفسه على الهنادك بعد فنهم عن الحياة، واقترانه بالخنوع وتصويره الموت، وقتله الروح. يقول في ضرب الكليم:
تخيلهم جنازة كل عشق
وظلمة فكرهم للحي قبر
وموثنهم به نقش المنايا
7
وليس لفنهم بالعيش خبر
ينيم الروح في إيقاظ جسم
ودون المجد يسدل منه ستر
يسخر للأنوثة كل شيء
لهم قصص وتصوير وشعر (د) والفن الصادق صورة من نفس الفنان، بل هو مصور بدمه وعصبه:
من حرقة في دم الباني مشيدة
حانات حافظ أو زونات بهزادا
8
ما جوهر يتجلى دون مجهدة
من ومضة الفاس نارت دار فرهادا
9
وليس للمقلد فن، إنه يبني أصنامه من حطام أصنام قديمة.
تعس الكافر من أصنامه
من حطام لمناة واللات
هالك صلى عليه فنه
في ظلام اللحد يرنو للحياة (ه) محاكاة الطبيعة: ويرى إقبال أن الفنان ينبغي ألا يحاكي الطبيعة، بل ينبغي أن يطبع نفسه عليها، ويصور شعوره فيها. ويقول إن الإنسان خلاق لا مقلد، وصائد لا صيد، وإن أهرام مصر أعظم من الصحراء المحيطة به!
شادت الفطرة كثبانا لها
في سكون من يباب يتقد
روع الأفلاك فيه هرم
أي كف صورت هذا الأبد؟!
من أسار الكون حرر صنعة
صائد ذو الفن أم صيدا يعد
وفي رسالة المشرق يقف إقبال الإنسان أمام خالقه معددا ما فعل في الأرض:
خلقت الظلام فصغت السراج
وطينا خلقت فصغت الكئوسا
خلقت جبالا وبيدا وروضا
خلقت حدائقها والغروسا
أنا من حجار صنعت مرايا
أنا من سموم صنعت دوايا
ويقول في ديوان آخر:
ذلك الفنان الذي يزيد على الطبيعة، ويفشي لأعيننا أسراره. حوره من حور الجنة أجمل، ومن ينكر أصنامه فهو كافر.
10
وأختم هذه الكلمة بقوله في مقدمة ديوان غالب:
إن في سيطرة المرئي على غير المرئي، وابتغاء ما يسمى في العلم ملاءمة الطبيعة اعترافا بسيادة الطبيعة على روح الإنسان. وإنما القوة في مقاومة تأثيرها لا في خضوعنا لعملها. إن مقاومة ما هو كائن طلبا لما ينبغي أن يكون، لهو صحة وحياة. وكل ما عدا هذا علة وموت. إن حياة الله تعالى والإنسان خلق مستمر. إن الفنان الذي هو نعمة على الإنسانية يتحدى الطبيعة. وهو يتخلق بأخلاق الله، ويشعر في روحه باتصال الزمان والخلود. هو كما يقول نطشه: «يرى كل الطبيعة كاملة فسيحة فياضة، لا كمن يرى الأشياء كلها أصغر، وأهزل، وأفرغ مما هي في حقيقتها. الطبيعة كائنة وعملها تعويق سعينا إلى ما ينبغي أن يكون. وهو ما يجب على الفنان أن يجده في قرارة نفسه.» (و) هذا مذهب إقبال في الفنون عامة، وأزيد على هذا الإجمال أمثلة من تطبيق فلسفته على بعض آحاد الفنون: (1) المصور ينبغي أن ينشئ، ويبين عن نفسه ولا يقلد. وقد قلد مصورو الفرس والهند أوروبا فأبطلوا فنهم، ومات خيالهم.
قلد العرب فن عجم وهند
عم هذي البلاد موت الخيال
11
شفني الغم، أن بهزاد عصري
يسلب الشرق بهجة الآزال
12
يا خبيرا بفنه فيه تمت
صنعة العصر والعصور الخوالي!
كم ترى من خليقة وتريها
أرنا الذات فوق كل مجال
ويقول في منظومته «كتاب العبودية» في آخر ديوان زبور العجم عن التصوير والمصور:
رأيت تصويرا فاترا، لا ترى فيه إبراهيم ولا آزر «يعني لا نحت الأصنام ولا تحطيمها.»
ويذكر ضروبا من هذا التصوير إلى أن يقول: ريشة يقطر منها الموت، ليس فيها إلا خرافة الموت وسحره.
ويذكر ثقافة العصر قائلا: العلم الحاضر ساجد للآفلين، يزيد الشك ويمحو اليقين. ولا تعرف بغير يقين لذة التحقيق، ولا بغير يقين تأتي قوة التخليق. من لا يقين له مضطرب رعديد، يتعذر عليه النقش الجديد. عليل، من «الذاتية» بعيد، وهو من ذوق العامة في قيود. يستجدي الطبيعة الجمال، وله في الخيبة مجال.