تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قابل هؤلاء شعار «الفن للفن» بشعار «العبارة للعبارة». وكانت هاتان النظريتان شائعتين حينما شرع إقبال ينظم الشعر.

ولكن الشاعر الفيلسوف القوي لم يبال بهذه ولا تلك كما نرى من بعد. (2) مذهب إقبال في الفنون عامة

أبدأ هذا الفصل بكلمة عالية كتبها إقبال في مقدمته لديوان غالب المصور:

إذا نظرنا في تاريخ الثقافة الإسلامية فرأيي أن الفن الإسلامي فيما عدا العمارة «الموسيقى والتصوير بل الشعر» لما يولد، أعني الفن الذي يقصد إلى أن يتخلق الإنسان بأخلاق الله. والذي يمد الإنسان بإلهام لا ينقطع «أجر غير ممنون»، ثم يحقق له خلافة الله في الأرض.

ذلكم طموح إقبال في الفنون وأمله فيها، وذلكم ما اجتهد طول عمره أن يحققه في شعره، وفلسفته.

وفي ديوان زبور العجم منظومة طويلة بين فيها إقبال أثر الحرية والعبودية في الفنون، ووصل الفن بقلب الإنسان وروحه، بل وصله بالله تعالى، إذ جعل الفنان الحق هو الذي يسمو بنفسه محاولا أن يتصف بصفات الله.

ويرى القارئ في هذا الفصل شواهد من هذه المنظومة حين الكلام في التصوير والموسيقى والعمارة.

يذهب إقبال في الفنون مذهبا يلائم فلسفته التي أجملتها للقارئ في هذا الكتاب: قوام الحياة الذاتية، ومقصود الحياة تقوية الذاتية، وتكميلها وشحذها وإشعالها. وتقوى الذات من تخليق المقاصد والآمال. والذات بعشق آمالها، والسير إليها، واقتحام العقبات من أجلها، واحتقار الأهوال في سبيلها؛ تذلل كل صعب، وتيسر كل عسير، وتدني كل قصي، وتسخر كل شيء.

وقد طبق إقبال مذهبه هذا في كل شئون الحياة: (أ) الخير ما يقوي الذات وينميها ويكملها، والشر ما يضعفها وينقصها.

وفي القرآن الكريم:

قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها .

وهذا قياس كل شئون الحياة وعقائد الإنسان وأعماله:

الدين والفن والتدبير والخطب

والشعر والنثر والتحرير والكتب

كل يحيط بمكنون يضن به

في صدره يتوارى جوهر عجب

5

إن تحفظ «الذات» هذي فالحياة بها

أو قصرت فهي عندي السحر والكذب

كم أمة تحت هذي الشمس قد خزيت

إذ جانب الذات فيها الدين والأدب (ب) والفنون تقوم بقوة النفس التي أنشأتها، وقوة إيحائها وقوة تأثيرها في الطبيعة والإنسان. كل فن أنشأته نفس ضعيفة، فكان له في الناس أثر ضعيف، أو أنشأته نفس مفسدة شريرة، فكان له في الناس إفساد، فهو فن لا قيمة له، بل هو فن خاسر، يضر ولا ينفع.

ولا يقوم الفن بنفسه، فإن مقصود الفن الحياة.

يقول الشاعر في المقدمة القصيرة التي كتبها سنة 1928م لديوان الشاعر غالب المصور، الذي صوره عبد الرحمن جغتاي والمسمى مرقع جغتائي:

أرى الفن خادما للحياة والشخصية. أبنت عن هذا الرأي سنة 1914م في ديواني «أسرار خودي» وأوضحته مرة أخرى بعد اثنتي عشرة سنة في القصيدة الأخيرة من ديوان «زبور العجم»، حيث حاولت تصوير روح الفنان الأمثل الذي يتجلى العشق فيه توحيدا بين الجمال والقوة.

ويقول في ضرب الكليم:

إذا أضنت الروح آلام رق

ففنك عبد رهين سجود

وإن عرفت قدرها كنت حقا

على الإنس والجن رب الجنود

الخلود للإنسان وللفن بالقوة والحرية والتأثير في الحياة، التأثير القوي الحسن، الذي يقوي الحياة الضعيفة ويزيد الحياة القوية قوة:

أتت تحت الشمس تمضي كشرار

لست تدري ما مقامات الوجود

ليس في فنك للذات بناء

ويح تصوير وشعر ونشيد

والفن الذي لا يطبع على الحياة نفسه، ولا يخلد على الدهر آثاره ليس جديرا باسمه.

مقصد الفن في الحياة لهيب

أبدي، فما وميض الشرار؟

قطر نيسان! ما اللآلئ إن لم

تتلاطم بها قلوب البحار؟

6

ما نسيم الصباح في الشعر واللحن

إذا ما أذوى سنا الأزهار؟

ليس إلا الإعجاز يحيى، ففن

ليس ضرب الكليم فيه، عواري

لا فن بغير قوة ولا جمال بغير جلال:

وأرى الجمال جميعه في أن ترى

في سجدة للقوة الأفلاك

ولنغمة من دون نار نفخة

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٥٠