تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تلتمس الحسن من غير نفسك يا مغبون، واطلب ما يجب أن يكون. إذا أسلم المصور نفسه للطبيعة، فقد أثبتها ونفى نفسه. وإن ظن الإنسان نفسه خلاء، انطفأ نور الله في ضميره انطفاء.

والكليم إذا زال عن نفسه تاه، وأظلمت يده وعثر بعصاه. لا حياة إلا بقوة الإعجاز.

وليس كل إنسان يدرك هذا السر.

ويقول:

إنما الفنان الذي يزيد على الفطرة ويفشي سره لأعيننا. حوره من حور الجنة أجمل، ومنكر لاته ومناته كافر. إنه يخلق كائنات أخرى وقلبه بحياة أخرى يزخر. يموج بحره فيلقي إلينا بدرره. وروحه جياشة فياضة بغرره، شأنها أن تملأ كل فراغ. فطرته الصافية عيار الحسن والقبح، وصنعته مرآة الحسن والقبيح. هو إبراهيم وهو آزر، تصنع يده الأصنام وتحطمها. يهدم كل بناء قديم، ويسلط مبرده على الموجودات كلها ... إلخ.

13 (2) والغناء حلال إن بعث في النفوس قوة وأملا وبهجة، وحرام إن بث فيها ضعفا ويأسا وحزنا:

في صدور الأفلاك لحن خفي

صاهر حره نجوم الوجود

قد أحلت «شريعة الذات» لحنا

لم يزل في انتظار شاد مجيد

14 •••

إن سرت في اللحون دعوة موت

حرم الناي عندنا والرباب •••

ولنغمة من دون نار نفخة

ما الحسن إلا بالجلال يحاك (3) والموسيقى كذلك. ينبغي أن تبعث في النفس قوة ووجدا، وتسمو بها إلى المعالي. فإن لم يكن لها هذا التأثير في النفس فالمغني بارد الدم، وإن لم يكن الزامر طاهر الضمير فأنفاسه في اللحن سموم.

ولا يزال إقبال يفتقد النغمات المحيية، ويلتمسها فلا يجدها في الشرق ولا الغرب:

دل على برد دم المغني

لحن له الوجوه لا تنير

15

أنفاس زامر سموم لحن

إن كان لم يطهر به ضمير

بالشرق والغرب في رياض

من الشقيق شاقني المسير

فما مررت بينها بمرج

شقت به جيوبها الزهور

16

وفي آخر ديوانه الذي سماه «زبور العجم» منظومة مثنوية طويلة سماها بندگي نامه «كتاب العبودية»، بين فيها جناية العبودية على الحياة كلها، وفضل الحرية عليها. وطبق رأيه على الفنون في فصل من المنظومة عنوانه «الفنون الجميلة عند العبيد».

فقال عن الموسيقى:

نغمة العبودية خالية من نار الحياة، وألحانها مسفة مثلها. قلب متجمد لا حرارة فيه، حرم لذة الحاضر والمستقبل. يظهر في مزماره سره والموت الطويل في لحنه. إنه يعلك ويذلك، وينفرك من الحياة ويملك.

احذر فما هذه إلا نغمات الموت، إنها الفناء في لباس الصوت.

إلى أن يقول: لا بد من نغمة ربيبة الجنون، هي حريق في شغاف القلب كمين.

إن في الألحان لمقاما تسمع فيه بغير لفظ الكلام. والنغمة المضيئة هي سراج الفطرة في كل ظلام، معناها يخلق كل صورة. وكل ناغم بغيرها جثة هامدة، ونغماته شرار نار خامدة. (4) العمارة: يتكلم عن العمارة في منظومته في آخر ديوان زبور العجم التي ذكرتها آنفا، فيقول:

اصحب الماضين حينا، وتأمل في صنعة الأحرار مليا. وانظر عمل أيبك وسوري

17

جلى الأحرار ضمائرهم، وعرضوا للأعين أنفسهم. فنظموا حجرا إلى حجر، فجمعوا الزمان في آن

إن رؤية هذه الصنعة تنضج نفسك، وترمي بك في عالم آخر. يهديك النقش إلى النقاش، فإذا سره في الصنعة فاش.

ويخاطب الشاعر نفسه:

أنا من نفسي في حجاب، لم أرد فرات الحياة العباب. كل إحكام من اليقين يبين، وأين مني إحكام اليقين. ليس في من «لا إله إلا الله» قوة فلست أهلا للسجود على هذه السدة.

ويدخل الشاعر بهذا القول إلى ذكر «تاج محل» معجزة البناء الخالدة، فيقول:

سرح في هذا الجوهر، أنظر التاج في ضوء القمر. صوروا من الماء الجاري مرمره. فجمعوا الأبد هناك في لمحة.

لقد صرح عشق الرجال بالأسرار، فثقب بأهداب العين الأحجار. تجلى عشق الرجال في صوره، فأثار نغمات من آجره وحجره. وعشق الرجال عيار الجمال، يشق أستار الحسن ثم يصونه من الابتذال. جازت السموات همته، وفاتت عالم الكيف والكم عزمته. عي البيان عما شعرا فأبدى البناء من ضميره ما سترا.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٥٢