تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما السرور الذي يبعثه الفن فهو يعين العقل على هداية الإنسان إلى الصراط السوي.

ويذم أفلاطون أصحاب الفنون المفسدين، ويوصي بأن ينفوا من البلاد.

كثير من النقاد، بل أكثرهم يوجبون أن يكون للفن مقاصد، ويقومونه بآثاره في حياة الإنسان، وفي طليعة هؤلاء أفلاطون وفي مؤخرتهم برناردشو.

منهم من يجعل غاية الفن السرور. ويؤثر عن أرسطو قوله إن الفن محاكاة لها مقصد نفساني واجتماعي. وهذا المقصد هو اللذة التي تنشأ من انطلاق الانفعال المكظوم.

ويؤثر عن سنت أغسطين في العصور الوسطى، أن مقصد الفن خلق الجمال، والجمال هو ما تسر الإنسان رؤيته. وذهب هذا المذهب نقاد في كل عصر حتى عصرنا هذا. ومنهم العالم النفساني فرويد، يرى أن الفن يريح فكر الفنان والرائي من التوتر، بإرضاء الرغبات المكظومة.

والفريق الثاني من القائلين بأن للفن مقاصد، منهم من يقول إن مقصد الفن الحياة نفسها، ومنهم قائل إن الفنان معلم، وأعلى مقاصده أن ينبض قلب الإنسان. والقلب مركز الحياة. فالفن موصول بحياة الإنسان لا محالة، موصول بكونه المادي والأخلاقي. ويقول آخر إن الفن نقد الحياة. ويقول تلستوي: إن مقصد الفن أن ينقل إلى النفوس أنبل العواطف وأعلاها.

ويذم الفن الفرنسي في عصر الانحطاط لأنه يعبر عن عواطف الحكام الأراذل.

الفن للفن

في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، انتشرت دعوة إلى تقويم الفن بنفسه، وإنكار أن يكون للفنون مقاصد إلا نفسها. وقال دعاتها إنما يعالج الفن للفن.

1

وكان من دعاتها في فرنسا فلوبير وبدلير،

2

وفي روسيا بسكن، وفي إنجلترا أسكار وايلد وولتر بيتر

3

وكانت هذه الدعوة في الحقيقة تطورا لمذهب الطبيعيين.

4

ومعنى هذه الدعوة أن الفن يقصد لجماله. وأما الحق والخير وما يتصل بهما فليس لها صلة بالفن، أو هي تابعة وليست المقصد الأصلي ... ليس للفن غاية إلا نفسه، لا يقصد إلا إياه.

ليس للفن رسالة إلا أن يثير في النفس الإعجاب بالجمال، وإن قصد أمرا آخر كالأخلاق والتعليم والمال والصيت، وضع هذا القصد من قيمة الفن. الفن مقصد لا وسيلة. ومن قصد في الفن إلى غير الجمال فليس بفنان. والشيء إذا صار نافعا لم يبق جميلا.

يقول أسكار وايلد:

أول شرط للابتكار أن يدرك النقاد أن عالم الفن وعالم الأخلاق متباينان كل التباين.

وكانت هذه الدعوة، من الجهة الاجتماعية، دعوة إلى الفردية المطلقة أنشأت فنونا مدمرة كل الفضائل التي عرفتها العصور الماضية.

أصحاب العبارة

وذاعت قبل هذه الدعوة، واستمرت بعدها. دعوة أخرى تشبهها. هي الدعوة إلى تقويم الفن بصورته لا بمعناه، إلى تقويم الشعر مثلا بالألفاظ والوزن والأسلوب لا بالموضوع والمعنى. فهي تميز بين القصة - مثلا - ومعانيها وأشخاصها، ومسارحها، وعواطفها، وبين اللغة والعبارة والسياق والوزن.

وقد ثار من قبل الجدال بين أدبائنا أدباء العرب على البلاغة أهي في الألفاظ أم في المعاني. وكتب في هذا عبد القاهر الجرجاني صاحب دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة وغيره.

وتذكرنا كلمات ابن خلدون في مقدمته بدعوى هؤلاء اللفظيين، يقول:

فالمعاني موجودة عند كل واحد، وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى. فلا تحتاج إلى صناعة، وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه، وهو بمثابة القوالب للمعاني. فكما أن الأواني التي يغترف بها الماء من البحر منها: آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف، والماء واحد في نفسه، وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء، كذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه، باعتبار تطبيقه على المقاصد. والمعاني واحدة في نفسها.

وقال المتأخرون من أصحاب هذا المذهب:

ليس الاعتبار بما تعبر عنه بل بما تعبر به، ولا قيمة للمعنى بل للأداء، فربما تعرب عن قبيح أو جميل، وعن حق أو باطل، وعن صواب أو غلط، ولا يدخل شيء من هذه في تقويم الفن، ولكن يقوم الفن بالصورة التي تبين بها عن هذه الأشياء.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٤٩