تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاضت روح الرجل الكبير المحبوب في داره بلاهور، ورأسه في حجر خادمه القديم علي بخش، وهو يقول: إني لا أرهب الموت، أنا مسلم، أستقبل المنية راضيا مسرورا.

قرأت كلام إقبال في الحياة والموت، ورأيت استهانته بالحمام واستهزاءه بالذين يرهبونه. ما كان هذا خدعة الخيال ولا زخرف الشعر؛ فقد صدق إقبال دعوته في نفسه حين لقي الموت باسما راضيا.

جد المرض بإقبال وكان يقترب إلى الموت وهو متقد الفكر قوي القلب، يصوغ عقله كلمات يوقظ بها النفوس النائمة، وينثر قلبه شررا يشعل به القلوب الخامدة. وكان في شغل بنظم ديوانه الأخير «أرمغان حجاز»؛ هدية الحجاز، وكان قلب الشاعر يهفو إلى الحجاز. وكم تمنى أن يموت فيه. وقد ضمن هذه الأمنية دعاءه في كتابه رموز بي خودي.

ومما قال في أشهره الأخيرة:

آية المؤمن أن يلقى الردى

باسم الثغر سرورا ورضى

وقد أنشد هذين البيتين - وهما مما أنشأ أخيرا - قبل الموت بعشر دقائق وترجمتهما:

نغمات مضين لي هل تعود

أنسيم من الحجاز يعود؟

آذنت عيشتي بوشك رحيل

ألعلم الأسرار قلب جديد؟

وقد زرت من بعد قبره وداره. ولقيت ولده جاويد وخادمه علي بخش وسيقرأ القارئ هذا في الفصول الآتية.

ولما سافرت إلى مدينة دلهي عام 1947م، عزمت على السفر إلى لاهور، على بعد المشقة وظهور الفتن والقلق في أرجاء الهند. وما كان مثلي، وقد قدم الهند، ليصبر عن زيارة ضريح إقبال وداره. فأعددت للسفر إلى لاهور، ونظمت أربعة أبيات، وسألت نقاشا في دلهي القديمة أن ينقشها على لوح من الرخام، وحملتها معي وسلمتها إلى القوام على ضريح إقبال لتوضع هناك. والأبيات:

عربي يهدي لروضك زهرا

ذا فخار بروضه واعتزاز

كلمات تضمنت كل معنى

من ديار الإسلام في إيجاز

بلسان القرآن خطت ففيها

نفحات التنزيل والإعجاز

فاقبلنها، على ضآلة قدري

فهي في الحق «أرمغان الحجاز»

و«أرمغان الحجاز» في البيت الأخير معناها هدية الحجاز، وهو اسم آخر منظومة نظمها إقبال. وقد نشرت بعد وفاته.

وكان من عجائب الاتفاق أن بلغت لاهور قبل ذكرى وفاة إقبال بيومين، ولم أكن أعرف موعد هذه الذكرى، وكانت حفلة لي ولوفد من إيران رئيسه الصديق علي أصغر حكمت، عند ضريح إقبال، وكانت حجرة الضريح لم تكمل بناء.

وقد ألقيت كلمة في هذا الاحتفال جاء فيها:

إقبال!

يا شاعر الإسلام! أنرت مقاصده، وجلوت فضائله وأضأت سراجه، وأوضحت منهاجه، ودعوت المسلمين إلى المجد الذي يكافئ دعوتهم، ويلائم سنتهم، ويناسب تاريخهم.

إقبال!

يا شاعر الشرق! أشدت بمآثره، وفخرت بروحانيته، وأخذت على الغرب المادية الصماء، والغرور والكبرياء، ونقدت قادته، وزيفت سادته، دحضت باطلهم، وأبطلت سحرهم، ووقفتهم للحساب العدل، وأبنت ما لهم وما عليهم، وما أحسنوا وما أساءوا.

إقبال!

يا شاعر الحياة! عرفت معناها وكشفت عن قواها، وبصرت بمجراها ومنتهاها، وأوضحت منارها وصواها.

إقبال!

يا شاعر النفس! أثرت خفاياها، وأظهرت خباياها، وأبنت ما في «خودي» من كهرباء، فيها القوة والنار والضياء، ودعوت إلى إثارة معادنها، واستخراج دفائنها. وقلت:

أخرج النغمة التي في قرار فطنتك، يا غافلا عن نفسك! أخليها من نغمات غيرك.

إقبال!

يا شاعر بيخودي! أوضحت كيف يكون الإيثار، وكيف ينظم الفرد في الجماعة.

إقبال!

يا شاعر الحرية! أشدت بذكرها، وأكبرت من قدرها، ودعوت إليها كاملة، وأردتها شاملة، وأبغضت العبودية في شتى مظاهرها، ومختلف صورها.

إقبال!

يا شاعر الجهاد والدأب، والكدح والنصب. قلت إن الحياة جهاد مستمر، وكفاح لا يستقر، وإن الحياة في الموج الهائل، والموت في سكون الساحل.

إقبال!

يا شاعر التجديد والتقدم! قلت إن الحياة مجددة تكره التكرار، ومقدمة تأبى التقهقر. ودعوت الإنسان أن يمضي قدما في الحياة مقدما، له كل حين فكرة، وفي كل ساعة نغمة. وبينت أن الإقدام والابتكار، هما فرق ما بين العبيد والأحرار.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٥