وشرعت أنشر ترجمة منثورة لشعره في مجلة الرسالة. ولا أدري كم واليت نشر قطع من شعر إقبال وعرفت به. وقد دعيت قبل وفاة الشاعر ببضع سنين وأنا في مدينة الإسكندرية إلى التحدث عنه. وكان الأدباء في بلاد العرب عرفوه بي، وعرفوني به. فتحدثت بما راع السامعين من فلسفة الشاعر وشعره.
وشرعت سنة 1936م أنظم منظومة سميتها اللمعات، وأهديتها إلى إقبال ونشرت مقدمتها في مجلة الرسالة.
2
وكان من سعادة الجد وغبطة العين والقلب، أن قدم إقبال مصر في طريقه إلى المؤتمر الإسلامي الذي اجتمع في المسجد الأقصى سنة 1931م.
ودعت جمعية الشبان المسلمين إلى الاحتفال بالرجل العظيم. واقترح أستاذنا الشيخ عبد الوهاب النجار - رحمه الله - أن أقدم محمد إقبال إلى الحضور؛ إذ كنت - على ضآلة معرفتي - أعرف الحاضرين به. وكان هذا شرفا لي وسرورا، وفاتحة من عالم الغيب لصحبة طويلة، صحبة المريد للمرشد، والتلميذ للأستاذ، ومقدمة لجهد مديد في الكتابة عن الشاعر والحديث عنه، وترجمة دواوينه إلى العربية.
تحدثت ما وسعت معرفتي، وأنشدت أبياتا من ديوان رسالة الشرق علقت بذهني.
وهي بالعربية فيما أتذكر:
يا من يطلب في المدرسة المعرفة والأدب والذوق! إن أحدا لا يشرب الخمر في مصنع الزجاج
قد زادت دروس حكماء الفرنج عقلي، وأنارت صحبة أصحاب البصائر قلبي
أخرج النغمة التي في قرار فطرتك. يا غافلا عن نفسك! أخلها من نغمات غيرك.
وكذلك أنشدت هذه الشطرات:
يا لك من يراعة
تصورت من نور
مسيرها سلسلة
الغياب والحضور
وسنة الظهور
وقلت له حين انفض المجلس: لا تؤاخذني، ليس في وسعي أن أنشد شعرك خيرا مما أنشدت. فقال: حسن! أنشدت صحيحا. ووقف إقبال بعد أن عرفت الحاضرين به تعريفا موجزا، فتكلم بالإنكليزية في أحوال المسلمين وتطور الفكر الإسلامي، وأفاض ما شاء علمه وبيانه. ومما وعيته من هذا الكلام قوله عن الصوفية: إنهم علماء النفس بين المسلمين.
وقد وكل إلى الأستاذ محمد الغمراوي أن يسجل خلاصة خطاب إقبال ويقرأها على الحضور. فكتب وحاول أن يترجم ما كتب ارتجالا، ثم رأى أن يترجم على روية وينشر الترجمة في مجلة الشبان المسلمين. وقد حرصت على لقاء الشاعر من بعد، ولكن ضيق الوقت قبل سفره إلى القدس لشهود المؤتمر الإسلامي لم يبلغني ما حرصت عليه إلا لقاء للوداع في محطة القاهرة.
ولبثت أكتب عن إقبال، وأترجم من شعره ما وسع وقتي، وعلى قدر فقهي وعلمي بسيرته حتى نعي إلينا في نيسان من سنة 1938م.
فكان كما قال أبو تمام: أصم بك الناعي وإن كان أسمعا.
وقد احتفلت جماعة الأخوة الإسلامية بتأبينه - وكنت يومئذ رئيس الجماعة - فكان لها حفلتان بقبة الغوري وجمعية الشبان المسلمين، وتكلمت في الحفلين وأنشدت من منظومة اللمعات التي نظمتها وأهديتها إلى إقبال. وأنشدت قصيدة ترجمتها من ديوانه «بانگ درا». وكان مما قلت في أحد خطاباتي في تأبين الشاعر العظيم:
في اليوم الحادي والعشرين من شهر نيسان/أبريل سنة 1938م، والساعة خمس من الصباح، في مدينة لاهور، مات رجل كان على هذه الأرض عالما روحيا يحاول أن ينشئ الناس نشأة أخرى، ويسن لهم في الحياة سنة جديدة.
وسكن فكر جوال جمع ما شاءت له سعته من معارف الشرق والغرب، ثم نقدها غير مستأسر لما يؤثر من مذاهب الفلاسفة، ولا مستكين لما يروى من أقوال العظماء.
ووقف قلب كبير كان يحاول أن يصوغ الأمة الإسلامية من كل ما وعى التاريخ من مآثر الأبطال وأعمال العظماء.
وقرت نفس حرة لا يحدها زمان ولا مكان، ولا يأسرها ماض ولا حاضر. فهي طليقة بين الأزل والأبد، خفاقة في ملكوت الله الذي لا يحد.
مات محمد إقبال الفيلسوف الشاعر الذي وهب عقله وقلبه للمسلمين وللبشر أجمعين، الرجل الذي يخيل إلي - وأنا في نشوة شعره - أنه أعظم من أن يموت وأكبر من أن يناله حتى هذا الفناء الجثماني.