إقبال!
يا شاعر الجمال!
صورته في الأرض والسماء، واليبس والماء، وفي الصحاري الجرداء، والحدائق الغناء، وفي الصبح والمساء، والضياء والظلماء، وصورته في كل خلق كريم، ومنهج قويم.
إقبال!
يا شاعر الجلال! جلوته في الخالق والخليقة، وفي الهمم العالية، والعزائم الماضية، والأماني الكبيرة والمقاصد الجليلة.
إقبال!
أيها الشاعر الملهم! بانت لك الأسرار، ورفعت عن الغيوب لك الأستار. فرأيت الباطن كالظاهر، وأدركت المستقبل كالحاضر.
إقبال!
يا شاعر الإسلام، ويا شاعر الشرق، ويا شاعر الحياة، ويا شاعر الإنسانية، ويا شاعر الحرية والجهاد والتقدم والإقدام، ويا شاعر الجمال والجلال!
لقد حييتك على بعد الديار وشط المزار، وأشدت بذكرك وعرفت بقدرك وأهديت إليك اللمعات، جوابا لمنظومتيك «أسرار خودي» و«رموز بي خودي».
وأنا اليوم أحييك على القرب. وسيان في عظمتك القريب والبعيد. إن هذا الضياء لا يقيس المسافات، ولا تبعد عليه الغايات.
إن هذا الفكر الذي يطوي الآفاق، ويخترق السبع الطباق، لا تختلف عنده الأرجاء، فالداني والنائي لديه سواء.
كان مناي أن أزورك في حياتك، ثم تمنيت أن أزور ضريحك بعد مماتك. وهأنذا أشرف بأن ألقي أمامك هذه الكلمات، وأودع ضريحك هذه الزهرات:
عربي يهدي لروضك زهرا
ذا فخار بروضه واعتزاز «الأبيات المثبتة [سابقا]».
لقد ضمنت لك آثارك الخلود في هذه الدنيا، وعند الله جزاؤك في الأخرى، جزاء المجاهدين المخلصين.
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين .
ثم ذهبت أنا والصديق علي أصغر حكمت إلى دار إقبال، التي سكنها آخر عمره ومات فيها، وهي دار صغيرة المبنى كبيرة المعنى، تأخذها العين في نظرة، ويسافر فيها الفكر إلى غير نهاية.
وقابلنا هناك جاويد، وهو ابن الشاعر. ذكره في كثير من شعره، وأعرب عن أمله فيه، ورجائه في مخايله، وسمى باسمه المنظومة الرائعة «جاويد نامه». وجاويد معناه الخالد.
ورأينا حجرة كان الشاعر الخالد يكتب فيها شعره ومقالاته، وفيها فاضت روحه. وهي حجرة يستطيع شاعر بليغ أن يفصلها أبياتا خالدات، وقصائد سائرات.
لبثنا حينا في الدار ذات الذكر والعبر نحدث جاويد. وأهدى إلينا صورة والده. وإنها لذكرى عظيمة: صورة إقبال يهديها ابن إقبال في دار إقبال.
وكان علمي بإقبال يزداد على مر الزمان، فيزداد شغفي به، وإكباري إياه، وإيماني بمذهبه في هذه الحياة. فترجمت من شعره، وهممت بأن أترجم ديوانا من دواوينه، فلم يتسع وقتي، ولا تسنى مطلبي.
ولما بعثت إلى باكستان سفيرا لمصر هاج نفسي القرب، ولقيت بين الحين والحين من يحدث عن إقبال ومن رآه؛ فزحزحت الشواغل عن ساعات من الوقت شغلت فيها بإقبال. فترجمت ديوانين من دواوينه؛ ترجمت «رسالة المشرق» وطبعتها في كراجي حين الذكرى الثالثة عشرة لوفاة الشاعر، ثم ترجمت «ضرب الكليم» ونشرته في القاهرة حين الذكرى الرابعة عشرة. وأترجم اليوم - والله المستعان - ديوانين: «أسرار خودي» و«رموز بي خودي». وقد قاربت الفراغ منهما والحمد لله. وكم شاركت في الاحتفال بإقبال فقلت وسمعت، وكم جالست أحباء إقبال ومنهم من عاشره ووعى عنه عن كثب، وعرف معيشته في داره، ومجالسه بين أصحابه وسماره.
ولا تزال مجالس أصدقاء إقبال تجتمع عندي كل أسبوع مرة أو مرتين، فنقرأ شعره ونروي أخباره، ونستمع إلى حديث العارفين بفلسفته، المتوفرين على استكناه حقائقها واستجلاء أسرارها.
وكثيرا ما سمعت من هؤلاء الأصدقاء الذين سميتهم دراويش إقبال؛ أن هذه المجالس أحب شيء إليهم في هذه الدنيا، وأنها عندي لكذلك.
هذه كلمة أردت أن أعرف بها القراء إقبالا كما عرفته؛ ليقبلوا على قراءة تاريخه وفلسفته وشعره في الفصول الآتية.
الباب الأول
| سيرة إقبال
الفصل الأول