وهذه المنظومات في جملتها حكمة بالغة، وشعر بليغ نفثهما الشاعر حين حزنته أحوال المسلمين، وحزبه ما رأى من فتون الحضارة الأوروبية، وضلالها وجور ساستها، وقسوة قادتها، وعدوانهم على الأمم الضعيفة. (8) ضرب كليم
باللغة الأردية
نشره سنة 1937. ولم ينشر في حياته ديوان بعده.
وهو ديوان مفصل على أبواب فيها نظرات في الإسلام، والتربية، والمرأة، والفنون الجميلة، والسياسة، وغيرها.
فالفلسفة فيها واضحة ظاهرة في أفكار معينة وموضوعات محددة، ودعوة إقبال فيها واضحة.
وهو ثاني دواوين إقبال التي ترجمتها إلى العربية. وقد كتبت له مقدمة وافية، فليرجع إليه من يشاء. (9) أرمغان حجاز «هدية الحجاز» باللغتين الفارسية والأردية
هذا الديوان نشر بعد وفاة الشاعر. فيه آخر أفكاره، وختام نظراته، ولكن فيه منظومة مهمة عنوانها مجلس شورى إبليس كتب فوقها «سنة 1936». ولا أدري لماذا لم تنشر من قبل في ضرب كليم الذي نشر في 1937. لعل الشاعر لم يجدها ملائمة لهذا الديوان، وهو آخر ما نشر في حياته، فجمعت إلى ما نظم بعد ضرب كليم في هذا الديوان الآخر، ديوان أرمغان حجاز.
والقسم الفارسي من هذا الديوان، وهو أكثره، رباعيات مقسمة على هذه العناوين: إلى الحق «الله تعالى» - إلى الرسول - إلى الأمة - إلى العالم الإنساني - إلى رفقاء الطريق.
وبين الرباعيات التي جعل عنوانها إلى الأمة، إحدى عشرة رباعية يخاطب بها شعراء العرب.
وفي كل قسم من هذه الأقسام عناوين أخرى تتقسم الرباعيات والقسم الأردي أعظم شأنا: فيه مجلس شورى إبليس، وهو محاورة بين إبليس ومشيريه، وشكوى من بعض المشيرين من الديمقراطية يخافون أن تصلح العالم، وشكوى أخرى من الشيوعية، ومحاورة بين المشيرين، وجواب إبليس بأنه لا يخشى كل ما ذكروه من المذاهب، ولكن يخشى الإسلام إن تنبه المسلمون. ففيه دون غيره القضاء على سلطان إبليس.
ومن عيوب قصائد هذا القسم رثاء رأس مسعود صديق الشاعر. وهو رثاء بلغ فيه إقبال من الفلسفة والعاطفة الدرجات العلى.
وفي هذا القسم محاورات أخرى، وآخره رباعيات.
الفصل الثاني
| مذهب إقبال في الفنون الجميلة
(1) مقدمة
للفلاسفة والنقاد مذاهب وآراء في الفنون الجميلة عامة وفي الشعر خاصة.
تختلف مذاهبهم وآراؤهم في قدر الفنون وخطرها، وتختلف في مقاصد الفنون وغاياتها، وتختلف في مقاييس الحسن والقبح، والكمال والنقص فيها.
وذلكم موضوع واسع مفصل لا يتسع المجال لبحثه كله أو بعضه. فحسبي التمثيل ببعض المذاهب وأصحابها تمهيدا للإبانة عن مذهب إقبال:
الفن له مقاصد
يرى كثير من النقاد أن الفنون محاكاة الطبيعة. وأقدم من أثرت آراؤهم في هذا أفلاطون وأرسطو؛ قالا: إن الفن محاكاة للطبيعة ولكنهما يختلفان فيما بعد هذا.
فأفلاطون يحقر الفنون بأنها محاكاة الطبيعة، والطبيعة نفسها مظاهر خادعة أو ظلال لا حقائق لها. ومذهبه في عالم الحقائق أو المثل وعالم المادة معروف. ويذم أفلاطون التمثيل لأنه يثير العواطف فيصعب كبحها، ويحقر الشعراء بأن خيالاتهم الكاذبة في الله والناس سيئة الأثر في عقول الشبان.
ويستحسن أرسطو الفنون بأنها محاكاة الإنسان لأعمال الإله. إنها تحاكي الطبيعة والإله هو المحرك الأول لها. ويحمد أرسطو الفن كذلك بما يثير العاطفة ويهديها فتسهل السيطرة عليها.
ويؤخذ من هذه الكلمات أن الفيلسوفين يقومان الفنون بما تؤدي إليه من خير وشر. فهما ممن يتبعون الفن المقاصد الأخلاقية. وأكثر النقاد على هذا المذهب يقومون الفن بأثره في الإنسان وصلته بالأخلاق.
ولأفلاطون خاصة عناية بأثر الفن في الأخلاق؛ يرى أن الفن في مادته وصورته، ينبغي أن يقصد إلى الأخلاق والمعرفة، وأن سحر الفن ينبغي أن يستعان به على خلق المواطن الصالح.
ويرى أن تحظر الموسيقى إلا الألحان التي تدعو إلى الشجاعة والإقدام والألحان التي تنبه الإنسان، وتبث في نفسه حب الاعتدال والنظام وتقديس الآلهة.