ومعنى هذه الفقرات التي نقلتها عن إقبال أن حياة الإنسان لا تحدها أنساب، ولكنها قائمة على أصول روحية بها وحدة الإنسان، وأن هذه الحياة الروحية دائمة في أصلها متغيرة في مظاهرها. فالجماعة الإنسانية ينبغي أن تقوم عل أصول دائمة من عقائدها وسننها، متغيرة في مظاهرها وأحوالها.
ثم يقول:
والحركة في الجماعة الإسلامية بالاجتهاد. ويؤسفنا أن هذا الأصل الذي يهب الأمة الحياة لم يعمل عمله في المسلمين. إن من أقوى أسباب ضعف المسلمين إهمال هذا الأصل، أعني إبطال الاجتهاد.
ثم يتكلم إقبال عن الإجماع أصلا من أصول الشرع الإسلامي، فيقول:
والأصل الثالث من أصول الشرع الإجماع. وهو عندي أعظم السنن الشرعية، وعجيب أن هذه السنة الرشيدة نالت كثيرا من بحث المسلمين وجدالهم، ولكنها لم تعد التفكير إلى العمل. وقلما صارت سنة عملية في بلد إسلامي. ولعل اتخاذها سنة دائمة ونظاما محكما لم يلائم مطامع الملك المطلق الذي نشأ في الإسلام بعد الخلفاء الراشدين. ولعل ترك الاجتهاد لأفراد من المجتهدين كان أقرب إلى منافع الخلفاء من بني أمية وبني العباس، من تأليف جماعة دائمة عسى أن تفوقهم قوة.
ومما يبعث على الرضا والأمل أن سيرة الحوادث في هذا العصر، وتجاريب أمم أوروبا؛ أشعرت الفكر المسلم الحديث بقيمة الإجماع وعرفته أنه ممكن. وشيوع النزعة الجمهورية، ونشوء مجالس التشريع يمهدان السبيل إلى العمل بسنة الإجماع. (ز)
وفي المحاضرة السابعة: «هل التدين ممكن؟»
يقول إقبال: ذلكم سؤال يشغل الإنسان في كل عصر ولا سيما في عصرنا، والعالم كله يلتمس أساسا يبني عليه وئام الناس وسلامتهم.
ويقول:
إن الدين في أعلى صوره، ليس أحكاما جامدة، ولا كهنوتية ولا أذكارا. ولا يتيسر إلا بالدين تهيئة الإنسان المعاصر لحمل العبء الثقيل الذي يحمله إياه تقدم العلوم في عصرنا. والدين وحده يرد إليه الإيمان والثقة اللذين ييسران له اكتساب شخصية في هذه الدنيا والاحتفاظ بها في الآخرة.
ولا بد للإنسان من الارتقاء إلى تصور جديد لماضيه ومستقبله ليستطيع التغلب على المجتمع المتنافر المتصادم، ويقهر هذه المدنية التي فقدت وحدتها الروحية بالتصادم الباطني بين الدين والمطامع السياسية.
والحق أن سير الدين والعلم، على اختلاف وسائلهما، ينتهي إلى غاية واحدة، بل الدين أكثر من العلم اهتماما ببلوغ الحقيقة الكبرى.
هذه نظرة عاجلة في بعض ما حوته هذه المحاضرات. وهي جديرة بعناية من تعنيهم أحوال المسلمين في هذا العصر.
2
أثر إقبال في أفكار المسلمين
في الخمس عشرة سنة التي مضت من وفاة إقبال إلى يومنا هذا، ألفت كتب باللغة الأردية والإنكليزية في سيرته وفلسفته، وفي صلة هذه الفلسفة بالإسلام، وبيان التشابه بين إقبال وبين فلاسفة آخرين أو بين شعره وشعر غيره من كبار الشعراء. كتب في هذه الموضوعات زهاء أربعين كتابا.
وكتبت مقالات كثيرة. وتنشر في لاهور مجلة اسمها إقبال تنشر مقالات بالأردية والإنكليزية في فلسفة إقبال وشعره.
تجد في هذه المجلة مثل هذه المقالات:
التطور في فلسفة إقبال.
الفن في مذهب إقبال.
إبليس في تصور إقبال.
فلسفة الذاتية عند إقبال.
إقبال ومسألة الاجتهاد.
معنى العشق في شعر إقبال.
معنى الفقر في شعر إقبال.
ولا تكاد تخلو مجلة أدبية في باكستان من مقال عن إقبال.
وفي يدي الآن مجلة باكستان،
3
عدد نيسان، وفيه هذه المقالات: إقبال شاعر الإسلام - إقبال رسالة أمل مشرق - إقبال والوطنية - إقبال الشاعر الفيلسوف - بيت من شعر إقبال - إقبال ومسجد قرطبة. •••
ونجد الكتاب يبينون عن آراء إقبال إجمالا وتفصيلا، ويستشهدون بما كتب في الفلسفة، وبما جاء في شعره. وشعره فصول فلسفية في صورة شعرية، كالأسرار والرموز اللذين أجملتهما آنفا، أو شعر يتضمن فكرا متفرقة من فلسفته، ولمعا مختلفة من آرائه، ينظمها الكتاب بعضها إلى بعض ليبينوا المذهب الذي نشأت عنه هذه الأقوال.