تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عرض هذا الشاعر الفيلسوف على العقول ما أيقظها وشغلها، وعلى القلوب ما أنبضها وأثارها.

ولا يزال الباحثون يجدون في فلسفته وشعره ما يشغل أقلامهم، ويملأ صحفهم على كثرة ما كتبوا. فماذا عسى أن أفضل من فلسفة إقبال؟ وكيف أحاول الإحاطة بها في كتاب هو أول ما كتب في لغتنا العربية عن هذا الشاعر؛ سيرته وفلسفته وشعره.

وإنما قصدت إلى أن يكون هذا الكتاب مقدمة لقراءة دواوين إقبال التي ترجمتها إلى العربية ما طبع منها وما يطبع إن شاء الله.

وقد كتبت لهذه الدواوين مقدمات فيها طرف من فلسفة إقبال، ولا سيما الآراء التي هي موضوع الديوان. فلعل القارئ المتقصي يضم هذه المقدمات إلى هذا الكتاب ليتبين سيرة إقبال وفلسفته.

الفصل الخامس

| إجابة إقبال المعترضين على فلسفته في أوروبا

ترجم الأستاذ نكلسون منظومة أسرار خودي إلى الإنكليزية، وكتب لها مقدمة أثبت فيها ما كتبه إقبال إليه إيضاحا لفلسفته،

1

فاهتم بها بعض المتفلسفين هناك.

وكتب بعضهم نقدا لآراء إقبال، واعترض بعضهم على فلسفته بأنها فلسفة قائمة على تعظيم القوة والدعوة إليها، كفلسفة نطشه الفيلسوف الألماني، وبأنها فلسفة ليست إنسانية عامة، بل تخاطب أمة من الناس هي أمة المسلمين.

وأجاب إقبال موضحا مذهبه، رادا على من قرنوه بنطشه ومن عابوا على فلسفته أنها تخص المسلمين.

وأجمع جواب في هذا الموضوع ما كتبه إقبال إلى الأستاذ نكلسون، فسأكتفي به، ثم أكتفي منه بخلاصته: يبدأ إقبال الكتاب بالإعراب عن سروره باهتمام المفكرين بكتابه حين ترجم إلى الإنكليزية.

ثم يقول: إن بعض النقاد الإنكليز رأوا مشابهة ظاهرية بين أفكاره وأفكار نطشه، فوقعوا في غلط كبير. ويرد على من زعم أنه أخذ نظرية الإنسان الكامل من نظرية نطشه في الإنسان الذي سماه فوق البشر

Superman .

ويقول إنه كتب قبل ثلاثين سنة، مقالا عن الإنسان الكامل عند الصوفية، ولم يكن حينئذ اطلع على كتب نطشه ولا سمع باسمه.

ويمضي إقبال إلى أن يقول في خطابه إلى الأستاذ نكلسون: أعجبني نقد دكسن أكثر من كل نقد، فأنا أعالج المسائل الآتية في نقده:

المسألة الأولى

يتبين مما كتبه مستر دكسن إلي أنه يرى أني أحث على السعي إلى القوة المادية بل أبلغ في تعظيمها درجة العبادة. والحق أن هذا غلط محض. فدعوتي إلى القوة الروحية لا القوة المادية.

أرى أن محاربة أمة أمة لحماية الحق والخير فرض أخلاقي عليها، ولكن محاربتها لأجل «جوع الأرض» حرام في رأيي.

2

وحق قول دكسن إن الحرب مدمرة سواء أكانت لنصرة الحق أم لبسط السلطان، فيجب تجنب الحرب. ولكن التجارب ترينا أن المؤتمرات والمعاهدات ووسائل أخرى لا تمنع الحرب، وإن منعت الحرب ظاهرا بإحدى الوسائل اتخذت الأمم ذوات المطامع ذرائع أخرى لاستعباد أمم أضعف منها. فلا بد لنا من شخص يحل مشاكلنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويفصل في خصوماتنا بالعدل ويقيم الأخلاق الدولية على قواعد أثبت وأمتن.

3

المسألة الثانية

ثم يذكر دكسن فلسفة الكدح التي تدعو إلى الرجولة والصلابة، وهذه الدعوة قائمة على معنى الحقيقة الذي بينته في المنظومة. أرى أن الحقيقة هي مجموعة الشخصيات أو «الذاتيات»، وأن تأليفها الاجتماعي ينشأ من الجلاد. ومن هذا الجلاد ينشأ الانتظام والائتلاف آخرا.

هذا الجلاد ضروري للبقاء الشخصي، وهو أعلى درجات الحياة. نطشه ينكر البقاء الشخصي. وغلطه في هذا نتيجة غلطه في تصور الزمان أو الدهر. هو لم يبحث في مسألة الزمان من الجانب الإنساني ... وأنا، على خلافه، أعتقد أن البقاء الشخصي أعظم الآمال، ولا بد له من الجد والجهد الكاملين؛ لهذا دعوت إلى الحركة والجد والكدح وكل ضروب العمل، بل الحرب، حتى تستحكم الذات. ولهذا نهيت كل النهي عن جمود الصوفية وسكون الرهبان.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٤٣