تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل طلب للمعرفة هو في حقيقة صلاة. فالباحث في العلم الطبيعي هو كالصوفي في صلاته.

وتزيد الصلاة قربا من مقصودها بالاجتماع. وكل عبادة هي في جوهرها جماعية. والعبادة فردية كانت أم اجتماعية، هي إعراب عن تلهف الوجدان الإنساني إلى استجابة له في صمت العالم الهائل.

ومن وحدة الذات الكبرى التي تخلق كل الذوات وتمدها تنشأ وحدة النوع الإنساني. والقرآن الكريم يقول:

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .

صلاة الجماعة في الإسلام إعراب عن التطلع إلى تحقيق الوحدة الإنسانية برفع كل الحجب بين الإنسان والإنسان. (د)

وفي المحاضرة الرابعة: يتكلم عن الذات الإنسانية حريتها وخلودها، ويبين كيف عمت المسلمين جبرية مشئومة على خلاف ما علمه الإسلام ووكده من حرية الذات. ويقول إن هذه الجبرية التي عرفها الأوروبيون في كلمة «قسمة» ترجع إلى غلبة الفكر الفلسفي وإلى المطامع السياسية وضعف نبض الحياة التي بثها الإسلام في نفوس المسلمين.

ثم يقول إقبال:

نشأت، على خلاف دعوة أئمة المسلمين، جبرية مهلكة، وشاعت نظرية الأمر الواقع لتحصيل منافع لبعض الناس، وتيسير مطامعهم.

وليس هذا أمرا بدعا، فقد احتج فلاسفة محدثون بحجج عقلية على أن نظام رأس المال في الجماعة نظام أبدي.

حدث مثل هذا في تاريخ المسلمين، ولكن درج المسلمون على التماس أدلة مذاهبهم في القرآن، ولو على خلاف معانيه الواضحة فكان للتأويل الذي يحتج به على الجبرية آثار بالغة في الإضرار بالجماعة الإسلامية. (ه)

والمحاضرة الخامسة «روح الثقافة الإسلامية»:

يقول فيها إقبال: إن القرآن يبين أن الإدراك الباطني ينبوع واحد من ينابيع المعرفة الإنسانية. وللمعرفة ينبوعان آخران هما: الطبيعة والتاريخ. وبالاستقاء من هذه الينابيع الثلاثة تبلغ الثقافة الإنسانية أنضر صورها.

ويقول إقبال: إن الفكر الإغريقي لم يحدد خصائص الثقافة الإسلامية.

ويقول: إن فكرة في الإسلام عظيمة لم تقدر قدرها، ولم تعرف قيمتها في الثقافة الإسلامية، وتلكم فكرة ختم النبوة. إن النبوة في الإسلام بلغت أوج كمالها إذ عرفت الحاجة إلى ختمها. لا بد لكمال الوجدان الإنساني من أن يوكل إلى نفسه.

قد أبطل الإسلام سلطان الأحبار والرهبان، وألغى وراثة الملك. ودعا القرآن إلى الرجوع إلى العقل، والاعتبار بالتجاريب. ووجه النظر إلى الطبيعة والتاريخ على أنهما ينبوعان للمعارف البشرية.

وكل هؤلاء أوجه مختلفة للفكرة نفسها، فكرة النهاية والكمال.

ثم يقول المحاضر:

وأعظم خصائص الثقافة الإسلامية توكيدها في الأنفس «تصور عالم متحرك» وسنن مستمرة.

ومن قواعد الهدي الإسلامي أن الأمم والجماعات مأخوذة بأعمالها في هذه الحياة. ولهذا يكثر القرآن من قصص الماضين، ويأمر بالنظر في تجاريب الأمم غابرها وحاضرها.

ويقوم تعليم القرآن في هذا الشأن على أصلين:

الأول:

وحدة الأصل الإنساني. ويبين القرآن كثيرا أن الناس خلقوا من نفس واحدة.

والثاني:

قوة الشعور بأن الزمان حقيقي. وتصور الحياة سيرا مستمرا في الزمان.

وإن يدرك قادة العقول والأرواح في الأمم حقيقة هذه الأصول الإسلامية، يظفر الإنسان بعالم للمعيشة أفضل من هذا. (و)

والمحاضرة السادسة: «الحركة أصل في التعليم الإسلامي»، تكلم فيها الفيلسوف المسلم عن تصور الإسلام العالم على أنه عالم حركة. وقال إن الإسلام ينكر أواصر الأنساب، ويعترف بالأواصر الروحية، ويقرر أن حياة الإنسان روحية في كنهها، ولا يمكن التطلع إلى أساس نفساني تقوم عليه الوحدة الإنسانية إلا إذا عرفنا أن الحياة الإنسانية روحية.

ويقرر الإسلام أن أصل الوحدة الإنسانية في التوحيد. إن أصل الحياة كلها دائم يتجلى في مظاهر متغيرة. والجماعة القائمة على هذا الأصل ينبغي أن تجمع في نفسها هاتين الصفتين: الدوام والتغير. ومن يتصور الأصول الدائمة الأبدية غير قابلة التغير فقد وقف ما هو متحرك بطبيعته.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٤١