تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا عجب إذا، أن ينتظر ناشئة المسلمين في آسيا وأفريقيا توجيها جديدا لعقائدهم. إن يقظة المسلمين تقتضي أن ننظر، ولكن بعقل مستقل، ماذا فكرت فيه أوروبا؟ وكيف نستعين بالنتائج التي بلغتها، في إعادة النظر في المذاهب الدينية الإسلامية، بل إعادة بنائها إن لم يكن من هذا بد؟

ويتصل بهذا قوله في محاضرة أخرى:

إن على المسلم اليوم عملا شاقا، عليه أن يعيد النظر في الإسلام كله دون انقطاع عن الماضي.

لعل شاه ولي الله الدهلوي أول من شعر بالحاجة إلى نظر جديد، ولكن الذي أدرك كل الإدراك خطر العمل وسعته، هو جمال الدين الأفغاني، وكان حريا أن يكون حلقة حية بين الماضي والمستقبل بنظره الثاقب، ونفاذه إلى حقيقة تاريخ المسلمين وتاريخ ثقافتهم، إلى ما أوتي من إدراك واسع يسرته له تجاربه في الناس والأخلاق.

فلو قصر جهاده الدائب على الإسلام من حيث هو نظام للعقائد والأعمال الإنسانية، لكانت قواعد الفكر الإسلامي اليوم أقوى وأقوم.

ليس لنا اليوم إلا أن نقوم من العلم الحديث مقام المكبر له القادر على نقده، وأن نقوم الفكر الإسلامي في نور هذا العلم، وإن أدى هذا إلى أن نخالف سلفنا.

هذا الشعور بحاجة المسلمين إلى الأخذ من العلم الحديث أخذ الناقد المعتد بنفسه، وإعادة النظر في المذاهب الإسلامية، هو الذي أوحى إقبال أن يفكر التفكير الواسع العميق، ويتناول الموضوعات العسيرة الخطيرة التي تناولها في هذه المحاضرات.

أعرض على القارئ جملة مختصرة من هذه المحاضرات، ومسائل قليلة مما فيها، لعله يتشوف إلى قراءتها كاملة والتأمل فيها، وإدراك معانيها ومراميها.

1 (أ)

في المحاضرة الأولى «العلم والإدراك الديني»: يبين إقبال فرق ما بين المعارف المستقاة من ينابيع مختلفة. ويقول إن القرآن يسوي بين نواحي الإدراك الإنساني كلها في الاستمداد منها لمعرفة الحقيقة النهائية.

ويقول: ولا بد من أجل إدراك هذه الحقيقة، أن يصحب الإدراك الحسي هذا الإدراك الذي يسميه القرآن القلب.

وتكلم إقبال في هذه المحاضرة عن قيمة الإدراك الديني في المعرفة الإنسانية، وبين قدر الإلهام. وللإلهام في فلسفة إقبال مكانة عالية. وهو يرى أن الفكر والإلهام ليسا متنافرين. (ب)

وفي المحاضرة الثانية التي عنوانها «التمحيص الفلسفي للإدراك الديني»: يتحدث إقبال عن الامتحان العقلي الذي يمكن تطبيقه على المدركات الدينية. ويبين أن الإدراك الديني يقبل تمحيصا مشابها للتمحيص الذي تعالج به أنواع المعرفة الأخرى. (ج)

وفي المحاضرة الثالثة التي عنوانها: «تصور الله تعالى ومعنى الصلاة»: يبين إقبال تصور الله تعالى في القرآن، ويقول إن أكبر عناصر هذا التصور، من وجهة فكرية خالصة، الخلق والعلم والقدرة والبقاء.

ومن أمثلة نظرات إقبال في هذه المحاضرة قوله إن تسمية الله تعالى نورا في التوراة والإنجيل والقرآن، ينبغي أن تفسر تفسيرا آخر. قد بين علم الطبيعة الحديث أن سرعة النور لا تمكن الزيادة عليها، وأنها لا تختلف باختلاف طرائق الراصدين. فالنور في العالم المتغير أقرب شيء إلى الوجود المطلق. فتسمية الله بالنور مجازا ينبغي أن يفسر، في هدي العلم الحديث، بالإطلاق، لا بالحضور في كل مكان، هذا الوصف الذي يؤدي إلى عقيدة وحدة الوجود .

ويقول إقبال في هذه المحاضرة كذلك:

إن الحقيقة العليا ذات. ومن هذه الذات العليا تنجلى الذوات الأخرى بالخلق فحسب. والعالم في كل أجزائه، من الحركة الآلية فيما نسميه الذرة المادية إلى حركة التفكير الإرادية في الإنسان، ليس إلا تجليا من الذات العليا. وكل ذرة ذات حركة إلهية هي ذات، مهما انحطت مكانتها في الوجود.

وينتقل إقبال بعد هذا إلى الكلام في الصلاة، فيقول ما خلاصته:

الدين لا يقنع بالتصور فحسب، بل يطلب اتصالا بمقصوده. ووسيلة هذا الاتصال العبادة أو الصلاة. الصلاة وسيلة إلى استنارة روحية تعرف بها الذات الإنسانية - هذه الجزيرة الصغيرة - أنها موصولة بحياة أوسع، وكون أفسح.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٤٠