تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

وكم صور ورمى وكسر حتى أثبت صورتك في لوح الحياة، وكم بث نواحا في النفس حتى صعد صوت أذان. وكم حارب الأحرار ونصر الأشرار، وبذر الإيمان في طين الإنسان، حتى قرأ على لسانك كلمة التوحيد.

وهنا يبلغ ما قال في العنوان: إن مقصد الأمة المحمدية حفظ التوحيد ونشره. فيبين خطر التوحيد وقيمته، ويقول إنه مركز دوران العالم، ومنتهى أمره. إلى أن يقول:

إن نغماته كامنة في موسيقى الكون، وإن هذه الموسيقى لتنتظرك أيها العازف ... إن في دمك مئات الألحان، فهيا فاضرب على أوتارها ... فإن في التكبير سر كيانك، وحفظ «لا إله» ونشرها مقصود حياتك.

ويفيض إقبال في بيان تبعة المسلم في إعلاء الحق، وأن دين الإسلام قرين الحياة ولا تكون الحياة إلا به. إلى أن يقول:

إن فكر الإنسان ناحت صنم، وعابد صنم، يخلق في كل زمان صنما. وقد جدد اليوم لنفسه أوثانا من اللون والنسب والوطن.

وإن الإنسانية ذبحت على أقدام هذه الأوثان، فهيا يا ربيب التوحيد!

وامح بسيف التوحيد هذا الباطل اللابس ثوب الحق.

ويختم الفصل بقوله:

إني لأرعد من خزيك يوم يسألك الرسول: قد أخذت منا كلمة الحق، فلماذا لم تسلمها إلى الخلق؟

ويمضي الشاعر إلى فصل عنوانه: (3-5) توسيع حياة الأمة بتسخير قوى العالم وكمالها أن تحس نفسها كالفرد وتحفظ سننها

يقول: إن هذا العالم مسخر للإنسان، وإن للإنسان فيه جهادا، وإن لذة الإنسان وكماله في هذا الجهاد. ومن سخر المحسوسات فقد أنشأ عالما من ذرة. إن الجبال والصحاري والبحار لوح لأرباب النظر! أيها النائم بالأفيون، والمحتقر عالم الأسباب. افتح عينك واعرف قدر هذا العالم. إن غايته توسيع «ذات» المسلم وامتحان ممكناته. إن الزمان يضربك بسيفه، ليشعرك أن في بدنك دما.

وإن الله جعل هذه الدنيا نصيب الأخيار، وجلا محاسنها لعين المؤمن.

هذه الدنيا طريق للقافلة، هذه الدنيا امتحان لقوة الإيمان. فسخرها لئلا تسخرك.

إن فكر الإنسان يسبح في العالم ليسخر قواه، ويتصرف فيه فنون التصرف. فاركب الهواء، واصدع الجبال، واستخرج اللؤلؤ من البحار.

إن في هذا الفضاء مائة عالم، وإن شموسا كامنة في كل ذرة. فاظهر الأسرار، واكشف الخفايا للأنظار. إن هذه النجوم ثابتها وسيارها، هذه التي اتخذها القدماء آلهة، ليست إلا عبيدا خاضعة لك، مسخرة لأمرك.

إلى أن يقول:

إن القطرة التي تدرك نفسها، تنقلب في عروق الكرم خمرا. وعلى أوراق الورد ندى، وفي قاع البحر درا.

ويختم الفصل قائلا:

يا من عي حماره في طريق الحياة، ومن غفل عن معركة الحياة! قد بلغ المنزل رفاقك، وأنزلوا ليلى من محملها، وأنت كقيس في الصحاري هائم.

إن في علم الأسماء «قيمة الإنسان، وإن في حكمة الأشياء قوة الإنسان.»

ويمضي إقبال فيبين أن كمال حياة الأمة أن تحس نفسها كالفرد، وأن نشأة هذا الإحساس وكماله بحفظ سنن الأمة.

فيبدأ بالحديث عن الطفل، لا يدرك ذاته ولا يعرف إلا أمه.

مولع بالرضاع والبكاء والنوم، ومغرم بالطلب والسؤال.

فكره في كل أمر، وقابل لكل نقش، وهو عالة على غيره.

حتى يقطع نظره على نفسه فيقول «أنا»، وتعرفه بنفسه الذكرى وتربط أمسه بغده. فتنظم أيامه في هذا السلك الذهبي، كما ينتظم اللؤلؤ. ويتغير بدنه كل ساعة ولكن يقول في نفسه: «هأنذا كما كنت.» «أنا» هذه فاتحة الحياة، ونغمة اليقظة في موسيقاها.

وكذلكم الأمة الوليدة تنشأ كالطفل، ترى غيرها ولا تبصر نفسها. وتتقلب بها الواقعات حتى تعرف نفسها وتصل بالذكر ماضيها وحاضرها. ويضيء لها الطريق تاريخها ... فإن نسيت واقعاتها ارتكست في العدم.

أيها العاقل! إن اتصال أيامك، هو الخيط الذي يمسك كتاب وجودك. اتصال الأيام ثوب لنا، خياطه

6

حفظ السنن القديمة. ما التاريخ يا غافلا عن نفسه؟! أتراه قصصا وأحاديث وخرافات؟ إنه الذي يعرفك نفسك ويبصرك طريقك. إنه حرارة الروح وأعصاب الملة. إنه المسن الذي يشحذك كالخنجر، ثم يضرب بك في هذه الدنيا.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٣٧