تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مقصود الرسالة المحمدية: المساواة والحرية والأخوة بين بني آدم

فيبين كيف كان الإنسان عبدا للملوك والقسيسين من النصارى والمجوس والبراهمة، حتى بعث الرسول صلوات الله عليه، فأعطى كل ذي حق حقه، وحرر الناس ورفع عنهم الآصار، ووضع عنهم الأغلال.

قوة هدت قديمات الصور

شيدت حصنا جديدا للبشر

أشرق الكون بها في الظلم

كعبة شادت ببيت الصنم

ويضرب مثلا في الأخوة الإسلامية؛ قصة القائد الفارسي الذي أسر فاستأمن آسره فأمنه، وهو يحسبه جنديا من الجند. فلما تبين أنه قائد أراد الجند قتله.

فقال قائد المسلمين أبو عبيد الثقفي: «لقد أمنه واحد منا، ونحن سواء.» وهي السنة التي سار عليها المسلمون وجاء فيها الحديث: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم.»

ثم يقص الشاعر قصة أخرى: غضب السلطان مراد العثماني على مهندس بنى له مسجدا فلم يعجبه، فضربه فقطع يده. فسار المهندس إلى القاضي فدعا السلطان، وحكم عليه بالقصاص؛ فتقدم السلطان خاشعا خائفا مادا يده للقطع. فعفا عنه المهندس.

وينتهي الشاعر إلى عنوان آخر:

الأمة المحمدية مؤسسة على التوحيد والرسالة فلا يحد مكانها

لا ترى المسلم يحويه عطن

تائه في قلبه كل وطن

حصل القلب ففي وسعته

ضل هذا الكون في فسحته

عقدة الأقوام حل المسلم

هجر الدار النبي الأعظم

أمة ملء البرايا أسسا

وضع التوحيد فيها أسسا

أسبغ الفضل علينا وهدى

صير الأرض جميعا مسجدا

ويعقب هذا العنوان عنوانا آخر:

الوطن ليس أساس الأمة

يقول فيه: إن العصبيات الوطنية قطعت أرحام الأمم. ويبين كيف هجر النصارى دين عيسى

فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون .

ويذكر مكيافلي الإيطالي وأثره في سياسة أوروبا إلى أن يقول:

جعل الملك إلاها دينه

كل قبح ناله تحسينه

وزن الحق بربح وجدى

ولدى الملك خنوعا سجدا

صير الحيلة فنا محكما

فزها الباطل مما علما

ثم يثبت الشاعر هذا العنوان:

الأمة المحمدية ليس لها نهاية زمانية

فيبين، كما يبين من قبل، أنها أمة لا تفنى، لأنها قائمة على أصول خالدة لا ينال منها تقلب الزمان، وكرور الأيام.

ثم يبين ما أصاب المسلمين من مصائب، ويذكر فتنة التتار ويصف أهوالها، ثم يقول: ولكن المسلمين سلموا من هذه النار كما سلم الخليل. بادت الأقوام، وفنيت الأجيال، وثبتت الأمة الإسلامية على الخطوب الجسام، والحوادث العظام.

أمة الإسلام تبقى أبدا

وأذان الحق فيها خلدا

أحيت العشق قلوب تسعر

شبها من «لا إله» الشرر

ويمضي الشاعر إلى هذا العنوان:

لا تنتظم أمة بغير شريعة وشريعة الأمة الإسلامية القرآن

فيبين أثر النظام في الأمم، وفي النبات والجماد وغيرهما بيانا موجزا قائلا:

من نظام الصوت تبدو النغمة

وهو من دون نظام ضجة

إنما في الحلق موج من هواء

يعلق النظم به فهو غناء

صاح هل تعرف ما دستورنا؟

كيف في الدهر مضى تدبيرنا؟

الكتاب الحي والذكر الحكيم

حكمة في الدهر تبقى لا تريم

نسخة الأسرار من هذي الحياة

يستمد الضعف أيدا من قواه

قوة فيه تشد الخورا

وبها يرمي الزجاج الحجرا

إلى أن يقول:

الذي يصدع منه الجبل

وعلى الأفلاك منه وجل

ذلك الينبوع من آمالنا

قد حواه الصدر من أطفالنا

ويذكر إقبال المسلم العربي الذي رباه القرآن حتى:

شمل الدنيا جميعا عدله

عرش جم وطئته رجله

1

مدنا قد شيدت هبوته

ورياضا أنبتت وردته

ويصل هذا الفصل بآخر يشبهه عنوانه:

نضج سيرة الأمة من اتباع الشرع الإلهي

فيبين دعوة الإسلام إلى القوة، وتقوية المسلم بالشريعة.

ويقول: إن الشرع يريدك حين الحرب شعلة تذيب الصخر.

ويمتحن قوتك بالصعاب، ويضع في طريقك العقاب. ويقول لك انسف الطود بعزمتك، واسحقه بضربتك. ويهبك بالعمل عصبا من حديد.

ويمضي قائلا: إن المسلم القوي الذي نشأته الصحراء، وأحكمته رياحها الهوجاء؛ أضعفته رياح العجم، فصار فيها كالناي نحولا ونواحا. وإن الذي كان يذبح الليث كالشاة، تهاب وطء النملة رجلاه، والذي كان تكبيره يذيب الأحجار، انقلب وجلا من صفير الأطيار. والذي هزئ عزمه بشم الجبال، غل يديه ورجليه بأوهام الاتكال. والذي كان ضربه في رقاب الأعداء، صار يضرب صدره في اللأواء. والذي نقشت قدمه على الأرض ثورة، كسرت رجلاه عكوفا في الخلوة. والذي كان يمضي على الدهر حكمه، ويقف الملوك على بابه، رضي من السعي بالقنوع، ولذ له الاستجداء والخنوع.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٣٥