وبه في العيش ما ساء وسر
قد بسطت الوقت بسطا كالمكان
وفرقت اليوم من أمس الزمان
وقتنا من قلبنا يزدهر
ليس فيه أول أو آخر
هو من صبح منير أنور
هو في الحي حياة يزهر
الحياة الدهر يا من عرفا
لا تسبوا الدهر قول المصطفى
21
ثم يمضي الشاعر في بيانه فيقول: إن الفرق بين الحر والعبد أن الحر يحتوي على الزمن، والعبد يحتوي عليه الزمن. فالحر يتصرف لا يحد عمله يوم ولا غد، ولا نهار وليل، ولا يعتل بحكم الزمان. وللعبد تعلات من حدود الزمان وأحكام الوقت. وحسبي من أبيات كثيرة هذه الأبيات:
نسج العبد عليه كفنا
من صباح ومساء، مذعنا
وترى الحر من الترب علا
ناسجا همته فوق الملا
22
فطرة العبد حصول الحاصل
ليس في أفكاره من طائل
في مقام من همود راكد
نوحه ليلا وصبحا واحد
ومن الحر جديد الخلقة
كل حين وجديد النغمة
قيد العبد صباح ومساء
وثوى في فمه لفظ القضاء
وأرى الحر مشيرا للقدر
صورت كفاه أحداث الدهر
سر غيب وحضور، في الفؤاد
رمز وقت ومرور، في الفؤاد
دعاء
ويختم إقبال هذه المنظومة بدعاء يسأل الله فيه أن يهب المسلمين العشق وحرقة السعي. ويشكو من نار تشتعل بين جنبيه، ويضرع إلى الله أن يهبه نجيا يتلقى عنه دعوته، ويدرك أسراره، أو يسلبه هذه النار التي تضطرم في صدره.
الفصل الثالث
| المنظومة الثانية
رموز نفي الذات «رموز بي خودي»
بنى إقبال فلسفته على الذات. ودعا إلى إثباتها وتربيتها وتقويتها، كما يرى القارئ في الخلاصة التي قدمتها من منظومة «أسرار الذات». عنى الشاعر في هذه المنظومة «أسرار خودي» بالاعتراف بالفرد، والإيمان بقواه الكامنة، وبما تفعل هذه القوى في هذا العالم إذا أثيرت.
ثم أكمل إقبال فلسفته بالتأليف بين الفرد القوي أو الذات الكاملة، وبين الجماعة التي يعيش فيها.
يرى إقبال أن الذاتية أو الفردية أساس العالم، وأن الخير كل الخير في تقوية ذات الإنسان، واستخراج ما في فطرتها من قدرة. وكذلك يرى إقبال أن هذه الذات لا تربى وتكمل إلا في الجماعة، وأن عمل الجماعة إن تمكن الفرد من بلوغ كماله بإظهار كوامن فطرته ومنتهى قدرته.
فالمنظومة الأولى تتناول الذات وتربيتها، ولا تخلو من كلام عن صلة الفرد بجماعته. فإن عسيرا أن يفصل الباحث أو الشاعر بين الموضوعين فصلا تاما.
والمنظومة الثانية تعالج الموضوع الثاني: الجماعة، نظامها وكمالها، وتنشئة الفرد فيها. ولا يخلو كلامه في هذا من كلام في الذات كذلك.
وإلى القارئ خلاصة هذه المنظومة «رموز بي خودي»:
يبدأ المنظومة بتمهيد في ارتباط الفرد والأمة، ثم يعقد الفصول الآتية: (1)
الأمة تنشأ من اختلاط الأفراد، وكمال تربيتها بالنبوة. (2)
أركان الأمة الإسلامية: (أ)
الركن الأول التوحيد:
ويستطرد في بيان التوحيد إلى فصول أخرى: أن اليأس والخوف والحزن أمهات الخبائث وقاطعات الحياة، وأن التوحيد يزيل هذه الأمراض الخبيثة. ويعقد الشاعر فصولا أخرى للتمثيل. (ب)
الركن الثاني للرسالة، وفي هذا العنوان فصول منها:
أن مقصد الرسالة المحمدية الحرية والمساواة والأخوة بين بني آدم. ويقص في هذا الفصل قصصا شتى.
وأن الأمة المحمدية مؤسسة على التوحيد والرسالة، فلا يحدها مكان.
وأن الوطن ليس أساس الأمة.
وأن الأمة المحمدية لا يحدها زمان، ودوامها موعود.
وأن نظام الأمة لا يكون بغير القانون، وقانون أمة محمد القرآن.
وأن نضج الأمة باتباع الشريعة الإلهية.
وأن حسن سيرة الأمة بالتأدب بالآداب المحمدية. (3)
حياة الأمة تقتضي مركزا محسوسا. ومركز الأمة الإسلامية الحرم. (4)
الاجتماع الحقيقي لا يكون إلا بمقصد يقصد إليها. ومقصد الأمة المحمدية حفظ التوحيد ونشره. (5)
توسع حياة الأمة بتسخير قوى العالم. وكمال حياة الأمة أن تحس ذاتها كما يحس الفرد، وينشأ هذا الإحساس ويكمل بحفظ سنن الأمة. (6)