نصيحة ميرنجات النقشبندي لمسلمي الهند
لا يميز القارئ في هذا الفصل كلام ميرنجات من كلام إقبال. ولعلها كلمة موجزة أثرت عن الشيخ فبنى عليها إقبال هذا الفصل الرائع فكرا وشعرا.
يقول إقبال في هذا الفصل:
إن سر الحياة أن يغوص الإنسان في نفسه ثم يبرز منها كما تغوص القطرة في البحر فتصير لؤلؤة، وأن يجمع الشرار تحت الرماد فيصير شعلة تبهر الأبصار، وإن الحياة أن تجعل نفسك حرما لنفسك، وتبرأ من الطواف حول غيرك.
هذه المعاني كررها إقبال كثيرا في شعره. هو يرى أن تقوى الذات، ويرى أن قوتها بأن تعرف نفسها، وتجمع قواها. وقد ضرب مثلا باختفاء القطرة في البحر، والشرار تحت الرماد، قبل أن تصير القطرة لؤلوة، والشرارة شعلة.
ثم يقول:
طر وحرر نفسك من جذب التراب، واحفظها من الهوي إلى الأرض.
ثم ينقل عن جلال الدين الرومي قوله:
إن العلم إذا اتصل بالجسم فهو عدو، وإذا اتصل بالروح فهو صديق.
ويستطرد إلى القصة المعروفة في سيرة جلال الدين، قصته هو وشمس الدين التبريزي؛ إذ جادله شمس الدين في جدوى الفلسفة والعلوم التي كان يعلمها جلال الدين . واشتد الجدال بينهما كل يفند صاحبه. فهاج شمس الدين وألقى نظرات على كتب جلال فإذا هي تحترق.
وتبع جلال الدين شمس الدين فانقلب صوفيا إماما، وكتب كتابه الخالد «المثنوي»، وديوانه الرائع الذي نسبه إلى صاحبه فسماه ديوان شمس تبريز.
ثم يمضي إقبال بعد القصة قائلا:
إنما يكمل علم المسلم بحرقة القلب، وإن معنى الإسلام ترك ما يأفل. إن إبراهيم حينما ترك الآفلين، لم تحرقه النار.
15
اطلب ماء الحياة من بريق الخنجر، ومن فم التنين ماء الكوثر، ولا تبغ حرقة العشق في علم العصر، لا تطلب لذة الحق من كأس هذا الكافر.
إن هذا العلم هو الحجاب الأكبر، يصنع الأصنام ويبيعها ويعبدها. وهو في قيد الظواهر، لم يستطع الخلاص من حدود الحس. وقد عثر في طريق الحياة، ووضع خنجره على حلقه. إن فيه نارا ولكنها باردة كالشقائق.
16
إلى أن يقول في إهمال المسلم نفسه، وتقليده غيره:
إن محفل المسلم احترق بسراج غيره، ومسجده اشتعل من شرار الدير.
قد أجفل من سواد الكعبة كالظبي، فمزقت جنبه أسهم الصياد. إن كعبتنا عامرة بأصنامنا، وإن الكفر ليضحك من إسلامنا، وإن شيخنا قامر بالإسلام في عشق الأصنام، واتخذ خيط مسبحته من الزنار، هو في سفر دائم مع مريديه، وفي غفلة عن حاجات أمته. الوعاظ والصوفية عبدوا المناصب، وأضاعوا حرمة الملة البيضاء. واعظنا إلى بيت الصنم ناظر، ومفتينا بالفتوى يتاجر.
الوقت سيف
ويستمر الشاعر في بيانه وقصصه وتمثيله، حتى يعقد هذا العنوان: «الوقت سيف». فيثني على الإمام الشافعي الذي أثرت عنه هذه الكلمة. ويبين الشاعر مذهبه في الوقت وقد أجمله في كتابه إلى الأستاذ نكلسون الذي قدمنا ترجمته.
17
ويقول في هذا الفصل: إن الإنسان توهم الوقت خطا ممدودا، وقاسه بالليل والنهار، فوقع في شباك الوقت. والحق أن الوقت هو الحياة، هو الأمل والعمل والسير والدأب.
كان هذا السيف في كف الكليم
فشأى التدبير بالفعل القويم
شق صدر البحر لمع القبس
صير القلزم مثل اليبس
وبهذا السيف يوم الخطر
زلزلت خيبر كف الحيدر
18
ممكن إبصار دور الفلك
وتوالى صبحه والحلك
يا أسير اليوم والأمس انظرا
انظرن في القلب كونا آخرا
أنت في النفس بذرت الباطلا
وحسبت الوقت خطا طائلا
وذرعت الوقت طولا، للشقاء
بذراع من صباح ومساء
واتخذت الخط زنارا فما
كنت في الباطل إلا صنما
اقطع الزنار حرا لا تهن
شمعة في محفل الأحرار كن
إيه يا غافل عن سر الزمان
كيف تدري ما خلود الحيوان
19
كم ترى في أسر صبح ومساء «لي مع الله» بها الوقت أضاء
20
من مسير الوقت كل يظهر
والحياة السر منه يبهر
ما من الشمس زماني يوجد
تلك تفنى وزماني يخلد
وبه الشمس أضاءت والقمر